استبدل الرئيس التنفيذي لشركة «فايسبوك» مارك زوكربرغ، قميصه الشهير وسرواله الجينز بسترة سوداء ورابطة عنق قرمزية اللون، عندما اجتمع مع مشرّعين أميركيين للاعتذار عن إساءة استخدام موقع التواصل الاجتماعي لبيانات مستخدميه، ولتجنّب أي إجراءات قانونية محتملة. وصل، أمس، إلى مبنى الكونغرس، محاطاً بالشرطة ومُلاحقاً بحشود من الصحافيين، قبل مثوله اليوم وغداً أمام ثلاث لجان هناك. في ذلك المكان، عقد اجتماعات مع أعضاء جمهوريين وديموقراطيين في لجنتي التجارة والعدالة في مجلس الشيوخ، ستوجّهان له أسئلة في اجتماع مشترك، فيما سيواجه غداً، استجواباً قاسياً أمام لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب، في شأن كيفية تبادل بيانات 87 مليون مستخدم لـ«فايسبوك» على نحو غير مشروع مع شركة «كمبردج أناليتيكا» البريطانية، التي تعمل في مجال الاستشارات السياسية.

من المرجح، أيضاً، أن يواجه زوكربرغ أسئلة بخصوص «الإعلانات والتعليقات التي نشرها ضباط استخبارات روس على الموقع»، فيما تعتقد السلطات الأميركية أنها محاولة للتأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2016.
بناء عليه، قال في تصريحات مكتوبة نشرتها لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب: «لم تكن لدينا نظرة فاحصة لمسؤوليتنا وكان ذلك خطأ كبيراً». وأضاف: «كان ذلك خطأي... أنا آسف». زوكربرغ أكد أنه «من الواضح، الآن، أننا لم نفعل ما يكفي لمنع استغلال تلك الأدوات لإلحاق الضرر... (عن طريق) الأخبار الكاذبة والتدخل الخارجي في الانتخابات وخطاب الكراهية، وكذلك (اختراق) خصوصية البيانات».

«التدخّل الروسي» هو السبب؟
«فايسبوك» كان قد زعم، في أيلول، أنه كشف عن استخدام مواطنين روس بأسماء مزيّفة شبكة التواصل الاجتماعي، لمحاولة التأثير في الناخبين الأميركيين في الأشهر التي سبقت انتخابات 2016، إذ كتبوا عن موضوعات مثيرة للجدل واشتروا إعلانات. وجاء في شهادة زوكربرغ أمس، أن الشركة كانت «بطيئة للغاية في رصد التدخل الروسي والرد عليه ونحن نعمل بجد للتحسن»، متعهّداً بإدخال تحسينات، ومشيراً في الوقت ذاته أن ذلك سيستغرق وقتاً، إلا أنه «التزم بتصحيح الأمور».
وعلى مدى أشهر، وصف المدير التنفيذي لشركة «فايسبوك» الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، بأنها «نقطة تحوّل» بالنسبة إليه ولشركته. هو شدّد على ذلك، أيضاً، في مقابلة نشرت أمس في مجلة «ذي أتلانتك»، حيث أشار إلى أن «سلسلة الفضائح التي تلت الانتخابات ــ النقاشات في شأن استخدام المعلومات، الأخبار الكاذبة، والتلاعب الروسي بالانتخابات ــ أدت إلى تغيير أساسي في الطريقة التي نرى من خلالها مسؤوليتنا». اليوم، يُحدِث زوكربرغ تغييرات في شركته، فاتحاً إياها أمام الرقابة العامة بطرق غير مسبوقة، على حد وصف المجلّة. ولكن بالنسبة إليه «الموضوع الأهم، هو إحضار خبرات مستقلة وإجراء تقييم للعمل الذي نقوم به».
يجد زوكربرغ صعوبة في تحديد خلفية قراره القاضي بالقيام بتغييرات في شركته، أو في التعبير عن السبب وراء ذلك. «حسناً، أشعر بشعور سيئ جداً، وأنا آسف لأننا لم نقم بعمل أفضل لمنع التدخل الروسي خلال انتخابات 2016»، قال، مضيفاً أن «ذلك أحدث فوضى ضخمة».
اليوم، كشف زوكربرغ عن أحدث محاولاته للتغيير. «فايسبوك» سيقوم بإعطاء «لجنة من كبار الأكاديميين» دخولاً مستقلاً إلى المعلومات، ما يسمح لهؤلاء الباحثين «بدراسة تأثير الشبكة الاجتماعية على الديموقراطية والانتخابات». كذلك، سيجري دفع ثمن هذا العمل من قبل مؤسسات «تُعنى بالشأن الأيديولوجي»، والأهم من ذلك كله أن «فايسبوك» لن يتمكّن من نقض الدراسات قبل نشرها. أي أنه على عكس الدراسات التي تجرى حالياً عن «فايسبوك»، والتي تتم بأسلوب مشترك مع فريق الإنتاج التابع للشركة، فإنه لن يتمكن من مراجعة هذه الأوراق الأكاديمية قبل نشرها، ما يضع هذا الإجراء أمام تساؤلات عن أهدافه ومدى صدقه.
يتبع برنامج الأبحاث هذا، الأخبار التي تتحدث عن برنامج شفافية للإعلانات السياسية، الذي جرى الإعلان عنه الأسبوع الماضي. عندما يصادف مستخدمو «فايسبوك» في الولايات المتحدة إعلاناً لأحد المرشحين أو لقضية ما، سيتمكنون من تحديد هوية المُعلن، وثمن الإعلان، وما هي الإعلانات الأخرى التي يروّج لها المُعلن.
لذا قام «فايسبوك» باتخاذ خطوتين. أولاً، سيطلب من المالكين الأفراد لأكبر صفحاته التحقّق من أسمائهم، من خلال إعطاء الشركة نسخة عن هويتهم الرسمية. كذلك، سيجبرهم على الإجابة على رسالة عبر الإيميل. «سنرسل رمزاً إلى المكان الذي يقولون إنهم موجودون فيه، وسيكونون قادرين على الدخول إلى هذا الرمز، بهدف التمكّن من الترويج لإعلان ما»، قال زوكربرغ: «أظن أن ذلك سيكون فعّالاً لمنع شخص من روسيا، مثلاً، من الكذب والقول إنه في الولايات المتحدة». ثانياً، سيكون بإمكان مستخدمي «فايسبوك» في الولايات المتحدة، رؤية المعلومات التي تتعلّق بكل إعلان سياسي. «سيكون بإمكانك رؤية المعلومات عن الشخص الذي يروّج له، وكيف وكم يدفع، ومن يستهدف، وكيف رآه الناس».

قوانين جديدة
مع ذلك، إذا لم يقدم زوكربرغ إجابات مُرضية هذا الأسبوع، فإن الكونغرس سيضغط، على الأرجح، لسن قوانين جديدة تفرض رقابة صارمة على «فايسبوك». لذا، استباقاً لهذه الخطوة، قالت الشركة بالفعل إنها تؤيد تشريعاً جديداً سيجبر شبكات التواصل الاجتماعي على الكشف عمّن يقفون وراء الإعلانات السياسية، مثلما تفعل القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية. ومن شأن تشديد الإجراءات بخصوص كيفية استخدام شركة «فايسبوك» بيانات مستخدميها، أن تؤثّر في قدرتها على جذب إيرادات الإعلانات مصدر الدخل الرئيسي بالنسبة لها.
وكانت شركة «فايسبوك» تقاوم، هي وشركات أخرى في وادي السيليكون، القوانين الجديدة التي تنظم نشاطها، لكنها أيّدت يوم الجمعة الماضي تشريعاً مقترحاً يلزم مواقع التواصل الاجتماعي بالكشف عن هويات مشتري إعلانات حملات سياسية على الإنترنت، وطبّقت عملية تحقق جديدة ممن يشترون إعلانات خاصة بقضايا مثيرة للانقسام.