لا يطيبُ، بل لا يحِقُّ، لي كقارئ لهذه الرواية «نارسيس وجولدموند»، أن أكتب عنها من دون الاتئاد والوقوف والتنعُّم تحت شجرة الكستناء الفريدة الكائنة عند مدخل دير «ماريابرون» كيفما صوَّرها هيرمان هِسه، ونَذَرَها للبهاء، في استهلاله البديع للرواية التي يطلُّ هِسه فيها من الموقع الذي يشغله الأب «دانييل» رئيس دير ماريابرون في ألمانيا.

ضربةُ فُرشاة هيرمان هِسه الأولى الكبرى أظهرت «جولدموند» صبيّاً في السابعة عشرة، ينتقل إلى شبابه مشمولاً بطلْعته الجذّابة وبنيانه المتين وحواسه المتذوِّقة لعطايا الحياة التي هيَّأ نفسَه لأجل قمعها، وبالأحرى فإن أباه هو الذي هيَّأه لأجل مغافلة حواسه ومزاياه والانضواء في مصيرٍ مُطلَق التقشف هو الرهبنة. يكمن السرُّ في أن الجميلة – أم جولدموند - كانت لَعوباً، وقد هربت في مراتٍ كثيرة من أبيه إلى أن فرَّت نهائياً، فقرر الأبُ للابن الصغير أن ينسى أمَّه ويلغيها. أذعن الولدُ لأبيه، ونسي أمه وذكرياتهما معاً، لكنه ما كان له أن يقدر على تناسي أمِّه فعلياً إلا باقتلاع حقبة طفولته كلها من الوجود، ثم قرر الأبُ لاحقاً أن يكفِّر الابنُ عن سيئات أمه بنُكران حياتِه، هو، والتخلي عنها للدير. لم يتوانَ الأب عن عزمه على التضحية بالابن، الذي ورثَ قسماتٍ من حُسن أمه، على مذبح الإسقاط والمحو. وقد أطاع الابنُ أباه راضياً، فوصلا معاً إلى دير ماريابرون راكبيْن حصانيْن، وهكذا حطَّ الأبُ ولدَه وأودعه في جنبات الدير.
غيرُ بعيدٍ عن شجرة الكستناء دخل جولدموند سريعاً في تجربةٍ، إذْ شاركَ سِراً مع أقرانه في مغامرةٍ ليليةٍ خارج أسوار الدير، فاصطَفته صبيَّةٌ صغيرة، هامت به وقبَّلته، فأردتْه مفجوعاً ومستوحِشاً بالإثم؛ إلى حد أنه لم ينظر وراءه حتى ليرى الصبية، غير أن قُبلة الأنثى سَرَت في روحه وألهبت جسدَه، وبقيت، ولازمت.
أمّا قسماتُ «نرسيس» فكان هِسه سخيّاً بها؛ إذْ عيَّنَه مُدرِّساً شاباً بالدير، موهوباً بقدرته على النفاذ إلى النفوس. إنه ينْكُش الشخصَ الذي أمامه حتى تبِين له بقعةٌ من قلبه عزلاء لا يحميها حامٍ فيترصَّدها ليرميها. نرسيس يعرفُ مصيرَه الشخصي الذي هو مُهيّأ له، يعرفُ أنه ماضٍ إلى الرهبنة وإماتة شهوات جسده. ويحذق، إنْ لم يكن يعرف، مصيرَ جولدموند الذي هو التلطُّخ بالحياة وما تثيره من نداءاتٍ وأفراحٍ وآلام، بل إنه يدرك أن جولدموند قد حشدت فيه الحياةُ ما يجذب النساءَ ويُلِذُّ شهواتِهن، وأن من الحُمْق أن تُحبَس وسامةُ الفتى الفريدة الأخّاذة وأن تُكبَت وتُقمَع غرائزه الطبيعية الطائلة بين أسوار الدير، فيساعده في تقشير نفسِه، بل يمنحه الأمانَ لاستكشاف ذاتِهِ الحقيقية، ويُلهِمه الأسبابَ والوسائلَ حتى ينتبه ويتيقظ، ويدعمه حتى يتجرأ فيهزُّ دواخلَه ويرجُّها من أجل أن تستعيد نظامَها الأوليَّ الأصليَّ وانطلاقتها المنسجمة مع كنوزها.
جولدموند كان كُرةً نطَّاطة؛ له مواهب الكُرة وآفاقها، له أن يركضَ وينطَّ ويتقافز في أحضان الحياة وفي أرجائها. وكان نرسيس هو العصا أو المضرب، العارفُ بالاستقامات والاعوجاجات، القدير على الارتكازات، وهو الذي له مواهب العصا التي بمقدورها إحماء الكرة وتفعيل مواهبها، بل إيقاظها كُليَّةً ودفعها عالياً وبعيداً إلى آفاق ازدهارها وعِراكها وتوهُّجها واحتراقها وانبعاثها ورَسَامَتِها، ولا يَلزمُ أن تكون للعصا دراية عن تلك الآفاق التي تعرفها بالحدس والاستبطان ولا تطالها في الواقع، فالعصا عصا والكُرة كرة، وهما إنْ يلتقيا، ولو لقاءً عزيزاً مُشدَّداً، فمصيرهما الأكيد هو الفراق العاجل.
نرسيس كان خادماً للروح على ما يجب أن يكون خادم الروح؛ فهو لم يحتفِ بقدوم الطالب جولدموند إلى الدير ليدرسَ ويتأهل للالتحاق بالخدمة الدينية، إنَّما تمكَّن من استبصار جولدموند الآخر الكامن في جولدموند الظاهر المرئي، وفَطِنَ بفراسته وحذقه وبصيرته وحدسه إلى سِرِّ جولدموند، ذلك السر الذي هو "أم جولدموند" التي دفنها الابنُ بعيداً في أغوار نفسه فلم يعد لها وجود. فتحَ نرسيسُ جرحَ جولدموند وآلَـمَهُ حتى إن جولدموند قد أُغشي عليه، لكنه حين استفاق واستيقظ كان كالمرأة التي ولدت لتوها؛ مرهقاً وسعيداً، فلقد وَلَدَ هو بالذات أمَّه.
**
انطلق جولدموند، هارباً من دير ماريابرون، بعد أن ودَّع نرسيسَ الذي لم يجد غضاضةً في أنْ يقطع خلوتَه ويُطِلُّ من صلواته لكي يُباركَ الخطوةَ الحاسمة لصديقه الصغير وينفحه المصافحةَ الحرّى ويودِّعه كمَنْ يودِّع حاجاً قاصداً أقداسَه! ومضى الذاهبُ، في الليلة الأولى لهروبه، إلى لقاء حبيبته الأولى «ليزا»؛ لقاءً مشبوباً مثلما تحط نحلةٌ على زهرةٍ، فوق كومة قَشٍ وسط المروج تحت طلعة القمر. وكانت ليزا، الزوجة الجميلة، قد غافلت زوجَها للقاء جولدموند الذي سوف يُفاجأ بها تتركه وتهرول عنه، بعد ليلة عشقٍ صافيةٍ وقرانٍ حامٍ، وبعد أن أخرجته من قُمقمه ثم من فردوسه، قاصدةً العودة سريعاً إلى بيتها مُؤملِّةً أن تنام تحت سقفه مُجدداً، متقبِّلةً أن يضربها زوجُها بعصاه، مُفضِّلةً حِمى البيت عن البقاء شريدة.
يتعلَّم جولدموند أن حب وعشق النساء هو شأنٌ من شؤون الصمت، أو هو شأنٌ من شؤونه الصمت؛ تتولّى فيه الحواسُ الإبلاغَ والتلقي، ففي رِحابه لا مَطرح للكلام، الذي هو ليس إلا إهدارٌ ومَفسدة. ويتعلم كيف يتأسّى وكيف يُغالب شقاءَه بعد أن تتركه حبيباتُه ذوات اللقاء الوحيد معه، ويعي أنه لا يتحصّل على تَعافِيه إلا بعشقِ ووِصالِ حبيبةٍ جديدة، فيستقي جمالَ كل امرأة منهن، ويتمرَّسُ على فنونهن المتمايزة المتباينة في العشق والوِصال، ويخدم شهواتهن، وتتسرَّب إلى وعيه الأعمق فكرةٌ يكاد لا يلحظها، لأن الوقتَ – وقته - لا يزال مبكراً جداً، فحواها هي أنه ليس لَعوباً، إنما هو ثمرة تنضج، في محفل الحياة المقدس نفسه الذي يحياه نرسيس أيضاً، غير أن اللهبَ الذي يُنْضج كلاً منهما مختلف؛ فهو يتفتَّح كوردةٍ، ربما، بينما يستوي نرسيس كشوكةٍ، ربما، في الغصن نفسه.
أسلم جولدموند نفسَه كُلية لشهوات النساء المتمرسات، ولم يدرِ أنه سيصادف الحُب مع فتاة حسناء نقيَّة عذراء، في الثامنة عشرة من عمرها، اسمها «ليديا»، وكان قد أقام في قلعة أبيها الفارس لأجل معاونته في تنقيح كتاباته باللاتينية. كانت حبيباته السابقات بلا اسم وبلا عُمر، وما قصصُهن معه إلا خلوة عابرة على أكمةٍ أو كومةِ قشٍ يعُدن بعدها إلى بيوتهن وواقعهن وسِترهن، ويعودُ هو بعدها إلى واقعِه كمتشردٍ حُر. أمّا الحب المغتني بالديمومة والاستقرار فمعه تصير الأسماء والأعمار من قسمات الأحباب. لكنما ليديا الحسناء التي في الثامنة عشرة لديها أيضاً أختها «جوليا» الحسناء التي في السادسة عشرة. لقد قَبِلَ جولدموند العملَ، أصلاً، لدى الفارس تلبيةً وإكراماً لشغفِه هو بوجود فتاتيْن سيمكث في جيرةٍ معهما، قريباً من أنفاسهما، مُؤملاً في الاختلاء بالاثنتيْن. لقد أغوى ليديا، لكن ليديا تماسكت وأحبته حُباً مستقراً ذا ديمومة وإنْ كان بلا أمل، وأحبها جولدموند وبدا أن روحَه قد هجرت استهواءاتِ التشرُّد والاشتهاءاتِ المتبدِّلة، وباتت ليديا تتسلل إلى فراشه ليلاً، ليس في خلواتٍ عابرةٍ شبيهةٍ بما كان هو قد اعتاد، لكنها لم تسمح له إلا بالقليل وإنْ اشتهت أن تمنحه كلَّ نفسها. على أنّ جوليا كانت هناك تراقب، وتغار، وتُلمِّح لأختها بالتهديد بإبلاغ سِرِّها إلى أبيهما، إلى أن نفدَ اصطبارُ جوليا ذات ليلة فاقتحمت فراشَ العاشق والعاشقة، وتلقّفها جولدموند، وأودعها إلى جواره، مستلقياً بين الأختيْن، وصار يداعبُ الصغرى ويشعلها بيُسراه، ويواسي الكبرى على يمينه بقُبلاته. تحقّق له ما رغب فيه منذ مبتدأ وصوله إلى القلعة، غير أن ليديا العاشقة، التي لم تتخلَ عن حبها لحبيبها وإنْ أيقنت باستحالة استمرار علاقتها به، انتفضت وصرخت وسحبت أختَها، وخرجتا من ميمنة وميسرة الشاب الفاتن، وفي أول الصباح كانت ليديا، الواعية بأعراف القلاع والملتزمة بدستورها، المتحصِّنة ضد نداءات التشرُّد، تعترف لأبيها بما كان منها مع جولدموند، دونما إشارة إلى جوليا أو وشاية بها. وفي ذلك الصباح ذاته حقّق الأبُ، الفارسُ العجوزُ، طرداً بروتوكوليّاً مؤثِّراً لجولدموند، فأعاده إلى تَشرُّده، في صقيع الشتاء.
لهُنيهةٍ أقالته ليديا، بقلبها النقي، من تَشرُّدِه، فأعادته إليه، في هُنيهةٍ، جوليا، بشهوتها المستعرة. لكن ليديا، الـمُحِبة، عاجلت فأوفدت، في السرِّ، رسولاً على جوادٍ إلى راحِلها، بهدية. لَـحَقَ الرسولُ بجولدموند وسلَّمه المؤونة؛ لُفافة بأربطة جلدية اندسَّ فيها قميصٌ صوفيٌّ، كانت قد نسجته وأعدتَّه له بيديها، وضلعٌ من لحم الخنزير وقطعةُ نقد ذهبية، لكنها ضنَّت عليه برسالةٍ مكتوبة. ولعله قد تناهى إليه أن هدية ليديا إليه تقتصر على المؤازرة والمساهمة في صموده وسلامته.
دخل جولدموند طورَ تَشرُّدِه الأول مُبارَكاً بتأييد صديقه نرسيس، وكان نشواناً متحمِّسا.
وإنه لَيدخل طورَ تَشرُّدِه الثاني مشفوعاً بحسرات ليديا وأنَّات جوليا، وقد بات قلِقاً متأنِّيا.
***
التشرُّد في صقيع الشتاء، بعد اعتياد التدثُّر بجدران القلعة الثخينة والأغطية الوثيرة والحب لَـهُو فوق احتمال جولدموند الطريد. آوى ذات ليلة بكوخ امرأةٍ تلِدُ، وحملَ الشعلة للمولِّدة، ورأى على وجه المرأة التكشيرة الناجمة عن ألم الولادة ولاحظَ أنها تشبه في منشئها تكشيرة وجه المرأة الناجمة عن نشوة الوصال، ولَكأن هيرمان هِسه الذي يبرعُ دائماً في تخبئة مُفضَّلاتِه وأفكاره، لا يصبر أحياناً حتى يَشُبَّ جولدموند أكثر ويبلغَ رشادَه؛ فيتعجَّل ويُسرِّب إلى عقل الشاب تأملاته هو بأن أقاصي المتع وأقاصي العذابات تتشابه كشقيقتيْن، مثلما يسجِّل على لسانه أنَّ المعرفة تجلب معها الفرح والخوف وأنّ العِلْمَ اعتكار. وفي تلك الأثناء يلتقط جولدموند الفلّاحة كريستين أو تلتقطه هي، لليلةٍ، مثلما اعتاد.
في صقيع ذلك الشتاء التقى جولدموند مع ﭬـيكتور، الأكبر سناً، الموغِل في تشرُّده، الذي صيَّرته سنونُ التجوال الطويلة متفاخِراً، مداهِناً، متعالِماً، ماكِراً، مخادِعاً، وقِحا. وكان جولدموند يفكر في أن ﭬـيكتور قد أطال زمنَه على دروب التشرُّد، فراح يستقرئ مصيرَه، ويخشاه، في حاضر ﭬـيكتور، وما كان له بالطبع أن يعلم أنه حَظيَ بتشرُّدٍ جيدٍ، آمنٍ، على غير مِثال، في كفالة المؤلِّف هِسه! نَدَمَ جولدموند بعدما أفشى، متباهياً، لرفيقه عن سِره مع ليديا وعن إقامته في القلعة؛ ذلك أنّ ﭬـيكتور طالَبَ بمزيدٍ من التفاصيل لأجل التخطيط لابتزاز أهل القلعة، ولم يَدُم ندمُ جولدموند طويلاً لأن ﭬـيكتور سارَع بتفتيش جيوبه لسرقة ما فيها أثناء نومه، وحين انتبه النائمُ واكتشف يدَ اللص وحاول منعه أطبقَ الخائنُ بيديْه على رقبته ليقتله، وتمكَّن جولدموند من استلال مديته، وطَعَنَ رفيقَه في ظهره، وقَتَلَه ليخلِّص نفسَه. وانطلقَ جولدموند في صقيع الغابة جائعاً، مُرهقاً، فرِحاً لا يصدِّق أنه أنجى حياتَه، مُعتكِراً لا يصدِّق أنه أهدرَ حياةَ رفيقه. غادر جولدموند الجثةَ لكن عقلَه لم يستطع الفكاك من حملها لأيامٍ أمضاها جائعاً مُتعَباً، تنتابه الأفكارُ عن المأوى وعن الاحتماء، ويُسائلُ نفسَه عن الأمان الذي لا يُضمَن في هذا العالم والذي يتبدَّى كلغزٍ، ويُسقِط جولدموند أفكارَه في غياهب عقله، وهو يهجس بأنه سيناقشها يوماً مع الشخص العارف بها؛ نرسيس. واصلَ مسيرَه مُنهَكاً، يكافح الموتَ، إلى أن أوصلته قدماه ثانيةً إلى القرية التي حمل فيها الشعلةَ للمرأة الوالدة والتي التقى فيها كريستين، ولَكأنه قد شعر أنه يمكنه بتلك اللحظات السقوطَ مغشياً عليه، بأمانٍ، طالما أنه بات على مقربةٍ ممن يألفونه، وقد تعرَّفت عليه كريستين الفلاحة الحسناء الحنون الماكرة وأوعزت إلى زوجها فنقله إلى جوار أبقارها، وقد أمتعها جولدموند ثانيةً وأمتعته، ونصحته، وخاطت له قطعة النقد الذهبية في ثنايا ثوبه كيلا يفقدها. فتنته، فيما بعد، امرأةُ الطحَّان، لكنها عزَّت عليه، ثم التقى فرانشيسكا في غرامٍ عابرٍ بعدما تصارَعَ مع حبيبها وسَلَبَها منه، ثم ارتحل عن القرية، وصادَفَه أحدُ الأديرة في طريقه فالتجأ إليه، وصلّى في كنيسته، وانبعثت في نفسه الرغبةُ في الاعتراف بآثامه، خاصةً إثمه تجاه حياة ﭬـيكتور، وقد عثر على كاهن اعتراف فأفضى إليه بسوءات نفسه وبما يُعاثِره ويُضايقه، ورَحَمَه الكاهنُ فلم يتسلَّط باللعنِ عليه، وأثناء خروجه مَرَ جولدموند عَرَضاً بإحدى ردهات الكنيسة فوجد نفسَه متسمِّراً أمام تمثالٍ من الخشب لمريم العذراء، مفتوناً بجمال صنعته، رائياً فيه أغوار شخصية السيدة البتول وحياتها بمسراتها وشقواتها، ومدركاً أن الأعمالَ الفنية الحقيقية هي أعمالُ قداسةٍ وأعمالُ ضرورة وليست أعمالُ حَذَقٍ ولا أعمالُ مهارة، وأنها تكون كامنةً في أفئدة مُبدعيها، وبينما هو ساهٍ في تأمُّله وإعادة تأمُّلِه لجمال وسحر التمثال بَزَغَ في حناياه شعورٌ جديدٌ عميق طال ما انتظره بلهف. شَعَرَ جولدموند أن هدفاً يتهيَّأ له، في حياته، وأن عزيمةً تتقدُ في كيانه، بها سيتمكّنُ من السعي إلى هدفه وتحقيقه. وإذْ ذاك كان فؤادُه يوافيه باليقين، ويُعْلِمه أنَّ تأسيس الهدف سيمنح حياته المعنى والاتساق. بخِفةٍ دبَّجَ هيسه مصادفةَ اللقاء بين بطلِهِ والتمثال فأفسحَ للبطل طريقاً وأسدى إليه ذوقاً فنياً وكفاءةً إبداعية يُرادِف بهما فنونَه في عشق النساء.
***
كان نرسيس قد أبانَ له الكلمةَ الأولى: أنتَ لم تُخلَق لكي تتلقى العلِم، فأفشى له المعلم نيقولاس، صانع تمثال العذراء، الكلمةَ الثانية له: أنتَ لم تُخلَق لكي تتلقى الأوامر. تحت إشراقة عقل نرسيس وبصيرته وحذقه وحدْسه تيقَّظ جولدموند لحقيقة وجوده وتعرَّف على قدميْه. أمَّا انتباهته ويقظته الثانية فتولّاها المعلم نيقولاس، وفيها أدركَ جولدموند طريقَه ووِجهته وتعرَّف على يديْه.
وصل جولدموند إلى منزل المعلِّم نيقولاس الكائن في المدينة، ووقف قُبالته فرِحاً هيَّاباً مُضطرباً، ومكثَ يتطلَّع إليه ويتأمله، إلى أن أطلت من نافذته فتاةٌ حلوة، يانعة، فاتنة الحُسن، التي هي «ليسبت»، ابنة نيقولاس، وقُرة عينه. ولعل جمال مرآها قد نبَّهَهُ إلى أن الوقتَ كان متأخراً، وأن العرق وأوشاب الرحلة عالقة بجسده وثيابه، فانصرف، وبات ليلته، ثم عاد في الصبح نظيفاً، يدقُّ الباب. وبلباقةِ المشغوفِ طلب جولدموند من المعلم نيقولاس أن يستبقيه تلميذاً له يتعلَّم منه حفْر الخشب.
في ورشة المعلم نيقولاس تكلَّم جولدموند، وقال، وهو يستحضِر في خياله تمثال مريم العذراء الذي حفره نيقولاس، إنه لاحظ دائماً، في كل صورةٍ على حِدة، وجودَ ثيمةٍ أو خطٍ معيَّنٍ يتكرر في أكثر من موضع في الصورة ذاتها، وأن هذا الخط بالذات يكون هو موجز جوهر الشخص، مُؤلِّف الصورة، وهذا الخط يكون هو الحافظة المعبِّرة عن شأن المزاج المكين لذلك المصوِّر. قال إنه حين أبصرَ في الكنيسة تمثالَ مريم العذراء، الذي أنجزه نيقولاس، رأى فيه ابتسامةَ فرحها مثلما رأى فيه تقطيبةَ حزنها وجزعها إذْ صاغَ الفنانُ في الخشب ابتهاجَ العذراء وكدرَها، واعترفَ جولدموند بأن لقاءه مع تمثال مريم العذراء أتاح له، على الفور، أن يعثر على هدفِه ويهتدي إلى شغفِه اللذيْن ظلا طويلاً يتقلقلان بغموضٍ في دواخل نفسِه. أُعجِب المعلمُ بعمق أفكار الوافد، وطلب منه أن يعملَ شيئاً بيديه؛ يرسمَ صورةً أو يشكِّل تمثالاً ليعطي أمارةً عمّا يمكن أن يتأتّي منه. وجلس جولدموند ليرسمَ على طاولةٍ بعيدة، لكنه راح يراقب المعلم وهو يشتغل بيديه، ويستقرئ شخصيته. فكَّر في البداية برسم صورة للمعلم، بيد أن صورة نرسيس في خياله حضرت بأوضح مما كان يراه رأيَ العين، فأزاحت صورةَ نيقولاس. رَسَمَ جولدموند وجهَ صديقه نرسيس، وقد احتشدت له فيه، لأجل الإيفاء للفن، طاقةُ الحب المكنونة في قلبه لهذا الصديق، وبالأحرى فإنه انهمكَ في تخليد ملامح صديقه في لوحته. ويبدو لي أن هيرمان هِسه قد أعملَ مشيئته هو فوق مشيئة جولدموند فلم يدع له فرصةً لاستقدام طيف ليديا الـمُحِبة بأثرها العاطفي، ولا جوليا الـمُقتحِمة بأثرها الشهواني، ولا ليزا الـمُغوية التي نزعت عنه بكارته، ولا كريستين الحنون ولا فرانشيسكا بولائها، وقد كُنَّ جميعهن ذوات جدراةٍ واستمكان.
يعود جولدموند إلى الأفكار، ويتولّى هِسه تغذيته بها وطرْحَها له، فبعد لوحته الأولى يفقهُ الفنانُ الشابُ أن الفن هو محاولة الإنسان للصمود أمام الفناء، وأن الخوف من الموت هو الدافع والمحفِّز وراء الإبداع والنشاط العقلي، وأن الـمُنتَج الفني والعقلي يبقى بعد موت صاحبه فيحميه ويستنقذه من الفناء الكلي. أُعجِب المعلمُ بالصورة التي رسمها جولدموند، لكنه اعتذر عن قبوله كمُتدرِّبٍ مبتدئٍ ولم يسمح له بالإقامة تحت اسمه، ذلك أن المعلم لا يحتاج إلى مبتدئين وذلك أن جولدموند قد جاوزَ الابتداءَ، وعَقَدَ معه اتفاقاً عُرفياً، من دون تحرير عقد رسمي، يقضي بأن يعيش جولدموند خارج البيت ويأتي إلى الورشة مُنتسِباً من الخارج ليتعلَّم، وقَبلَ جولدموند بالاتفاق ورحَّب به شاكراً راضياً ممتنا.
أبهجته مصاعبُ العمل لأنها تُحفِّز مهاراتِه الإبداعية، لكنه كان يتهرَّب من الكد ويضنيه الضجرُ المتأتّي من تأدية التفاصيل العادية الأخرى للعمل. إنه، وإنْ كان لم يشعر تجاه المعلم نيقولاس بالحب أو الاحترام، إلا أنه معجبٌ بمهارة الفنان في شخصيته. وعلى مدار السنة رغب في صُنع تمثال لابنة المعلم، ليسبت، المحجوبة عنه، التي لم تنظر مرةً إليه، بجمالها الفريد المبهر ونقائها وتواضعها البريء واحتشامها الرادع. لعلها، ليسبت، كانت هي العذراء الأثيرية التي على هيأتها نحتَ أبوها منحوتتَه الفريدة، ولعله، جولدموند، أراد الانتقامَ منها، أو الوصال بها في خياله ليُشفي اشتهاءَه لها، فرغبَ في إنشاء تمثالٍ لا يجسِّدها في عفافها العتيد، البادي دائماً، وإنما في تهتُّكها حسبما راحَ يتخيَّلها وقد باحت بأسرارها كمجدلية عارمة لا كعذراء ذات إجفالٍ وخفر وصَوْنٍ وحياء.
خَبَرَ جولدموند الفنانُ ما يكفيه من تفاهة وغلظة وقسوة وبلادة أهالي المدينة، لكنه لم يتخلَ عن لهوِهِ، وعابَثَ النساء وضاجَع الزوجات والبنات، ومع مرور السنوات راحت نضرةُ شبابه تأفل وآياتُ وسامته وجماله تتلاشى، وهو يتأملُ حالَه ويعلمُ، بقلقٍ، أن شهوتَه، ذات يومٍ، ستزول.
وجهُ أمه، الذي كانت ملامحُه قد تبدّدت من ذاكرته، دَانَ له ورجعَ إليه وتشكَّل في خياله، بعدما عاونته محفِّزاتُ نرسيس الإعجازية، إبّان إقامته بالدير، على معاودة الإمساك بوجود الأم وإصعادها من معزلها السحيق. وها هو قد عَزَمَ على نحت تمثالٍ لأمه؛ يكون تمثالاً بملامح من كل النساء اللائي عرفهن، وتكون أمه فيه هي حواء، أم البشر، بشهواتها الغائصة في الحياة؛ ويرتضيه هو تمثالاً يُضارِعُ به تمثال العذراء، أم الرب، الذي أنجزه مُعلِّمُه نيقولاس. لا مراء أن تمثال حواء كان لا يزال نائياً عنه، عاصياً عليه، ولم يتيقَّظ، للوقت، في قلبه، ويحتاج منه إلى استجماع طاقاتٍ لم تُؤتَ له بعد وإلى المزيد من معايشة ومعرفة الحياة كيما يغدو مستعداً وكفؤاً لذاك العمل. وفكَّر في نحت تمثال يجسِّد جوليا أخت ليديا، إلا أنه بدأ بعمل تمثال يوحنا، الحواري، الإنجيلي، بملامح نرسيس.
دأبَ بإصرارٍ على مولاة العمل وئيداً بطيئاً في نحْتِ تمثال نرسيس يوحنا كلَّما واتاه مزاجُه وشغفُه. وبينما هو يعملُ في التمثال، وِفْقَ أسلوبٍ مقصورٍ عليه، كان يزدادُ معرفةً بصديقه، وبكونه نقيضاً له؛ نقيضاً محبوباً، وكان يهزُّه الشوقُ إليه، بل يُبكيه. ومن يديْه وهما تشتغلان تعلَّم أن الفن الحقيقي يمزجُ الأمومي بالأبوي ويُدمِجُ الروحي بالمادي ويضع الشهوة والموت مع العقل والحياة ويخلطُ الأثيري بالدم واللحم. لقد بَثَّ هيرمان هِسه في أفكار بطله أن "الفن ذاته يكدِّر الفنانَ وينغِّصه"؛ وللحال كان العملُ يُبهِجه ويُزيده تَجهُّماً وعُزلة في الوقت نفسه. ومع اقتراب التمثال من اكتماله وتمامه كان البِشْرُ والسرور يفيضان على مُحيا جولدموند، وبعد أن وَضَعَ لمساتِه الأخيرة فيه باستبطاءٍ ورَويةٍ وأناةٍ انبثقَ في قلبه الفرحُ النقي الذي لا يماثله فرحٌ والذي هو أيضاً مقرونٌ بالرعب والوقار والهيبة والاهتمام والانقباض، الفرحُ الذي لا يعرفه قلبُ الفنان إلا مرةً واحدةً في العمر. إنّ جولدموند مؤمنٌ بأن نرسيسَ، بالذات، هو الذي أنجزَ تمثالَه لنفسه بنفسه.
احتفل جولدموند بلحظة الختام مع تمثاله بأنْ نظَّفه وأزالَ عنه النثارَ وكَنَسَ الأرضَ تحته، ثم وقفَ ساعةً يحدِّق فيه، ويمعن النظرَ في صَنْعَتِه التي تحرَّرت منه وخلَّفته خاوياً بلا هدف، مُتفكِّراً في أن الأعمال الزائفة لا يُشترَط فيها أن تكون قبيحة، فكثيرُها جميلٌ أيضاً، غير أنه جمالٌ ذو احتيالٍ، لا كفاية فيه، خالٍ من الغموض الضروري اللازم لتستترَ فيه المعاني فتغتني وتتعدَّد وتتكاثر ولا تسمح بأنْ تُدرَك تمامَ الإدراك، ثم مضى لاستدعاء المعلم نيقولاس ليرى. وقد وقف نيقولاس وتأمَّل روعةَ التمثال بغبطةِ وحبورِ الفنانِ الحقيقي وأشاد بالعمل الفريد وهنَّأ صانِعَه ودعاه على الفور إلى مأدبة عشاءٍ تقتصر على ثلاثتهم، بحضور ليسبت البهيَّة وقد تزيَّنت وأشرقت، وتحادثوا ثلاثتهم وشربوا الأنخاب، ثم أهدى المعلمُ تلميذَه كيسَ نقودٍ جلدي وقطعتين من الذهب، وخرج جولدموند مُنشرِحاً بالتقريظ والتشريف اللذيْن أسبغهما عليه نيقولاس شاعراً بالفراغ، شاعراً بالحياة تتناوب عليه إشراقاً وإعتاماً، وشاعراً بالشوق إلى دروب التشرُّد والانعزال والتأمل، فاستأجرَ حصاناً ومضى لأجل إلقاء نظرةٍ على التمثال الآخر، الأجمل والأوفى، تمثال العذراء لصاحبه نيقولاس، فرأى فيه من العمق والجمال ما لم يرَه من قبل، بعدما خاضَ هو تجربتَه المماثلة.
الفن لدى جولدموند ليس في المهارات والخبرات التي يراكمها الفنان إذْ إنها – لاحقاً – تغدو مُميتة لجوهر الفن. إنّما الفن لديه هو أن يتصيَّدَ الغموضَ وأن يَهِبَ له روحَه، ويعكفَ لأجل إبرار هذا الغموض في عملٍ فني. لعلها، إذاً، مجموعة من قناعات هيرمان هِسه عن الفن وتأملاته عن الحياة صاغها وولَّفها وأنزلها على بطل روايته؛ الذي ليس بمقدوره ولا مُباحاً له التخارُج من الرواية والتحرر من إملاءات هِسه وسيطرته على أفكاره وقيادته لتأملاته وأفعاله وأقواله بسطوةٍ زائدة. في هذه الرواية الـمُهندَسة لا يُرى جولدموند وهو يتعلَّم بل يُرى مُتعلِّماً، ولقد تمكَّن، وهو في حماية هِسه، من أن ينجز آيةً من آيات فن النحت مُستغنياً عن أي تَدَرُّجٍ ومن دون تأهيلٍ أو دراسة، ولعل هِسه قد قَصَدَ القولَ بأن القدرة الفنية إنما هي غريزة وفِطرة إذا التقاهما المرءُ داخل نفسِه في نقائهما. وبالمثل أيضاً فإن أفكار جولدموند، اليافع، الشاب صغير السن، عن الفن، ناهيك عن الحياة، تبدو مكتملة وناضجة، على الرغم من أنه لم يخالِط فنانين باستثناء المعلم نيقولاس، الذي اتخذه نِدّاً أكثر من كونه مُعلِّماً، وهو لم يرَ الكثيرَ من أعمال الفنانين، غير أنه عاش وسط الفنون الأصلية الحقيقية التي تقدمها الحياةُ في كل لحظةٍ للمتأمِّل. لَكأن هِسه ابتغى أن يقول إن الفن الحقيقي وإن مقولات الفن الحقيقي إنما هما طبيعيان، مثلهما مثل الولادة التي تستطيعها كلُّ أمٍّ، بتلقائيةٍ وبساطةٍ وبلا سابقة تَعلُّم.
*
تهيَّأ جولدموند لانطلاقته الثالثة. لقد سمعَ نداءَ أمِّه، وأنه لَماضٍ إلى لقائها؛ عارِفاً أن الحلم العظيم هو الحلم المنطوي على غموضٍ، والعمل العظيم هو العمل المفتوح على الغموض. كان جولدموند قد ضجرَ من علاقاته الرتيبة، المحفوظة، المفرِطة التكرار بعشيقاته في المدينة، ضجرَ بالأحرى من وضوحِها وانعدام الغموض فيها. وبدت ورشة المعلم نيقولاس بمثابة الدير الثاني الذي يتهيَّأ جولدموند لمغادرته أو للفرار من أسواره. في وداع "دير ماريابرون" كان هناك نرسيس بسلامِه الورِع ومحبته وتفهُّمه. في وداع "دير ليسبت"، إذا أُجيز القولُ، تقدَّم المعلم نيقولاس، الذي رغبَ في استبقاء تلميذه، بتقدماتِه السخية؛ دعا جولدموند إلى مأدبة ثانية للعشاء، بعدما تحصَّل له على الشهادات والتراخيص اللازمة لعمله كمُعلِّم، ووسَّعَ الورشةَ لتليق به كفنَّانٍ معلم، نِدٍّ مُكافئٍ، وزميلٍ له، واستطلع رضا وقبولَ ليسبت للزواج منه، وأعدَّ العليَّة بيتاً للعروسين. لكن جولدموند كان قد اتخذَ قرارَه من قبل، زاهِداً في البقاء والاستقرار، زاهداً في نساء المدينة، زاهداً في الفن، زاهداً حتى في ليسبت الحلوة التي كانت هي أبهى أحلامه، راغباً في الترحال، تشدُّه إلى الدروب والطرقات صورةُ حواء التي يتوق إلى استنزالها ليجسِّدها فنّاً ذات يوم. في زُهدِه الحالِّ؛ رفضَ جولدموند، بتهذيبٍ وامتنان، هِبَات وعروض المعلم نيقولاس الباذخة الكرم، وفي رفضه المهذب الممتن بدا بطيئاً فاتراً، وحين مَدَّ يدَه لمصافحة الوداع إلى المعلم نيقولاس كاد يتلقى بصقةً عليها.
ألقى جولدموند نظرةَ وداعٍ على تمثاله ذاك الذي يجسِّد يوحنا على هيأة نرسيس، ومضى بعدما ودَّعته في السحَر «ماري»؛ ابنةُ مالك البيت، الصبية التي في خَطوها عَرَجٌ، والتي أحبته في صمت، وسهرت لكي تقدم له بيديْها كأسَ حليب دافئ قبل رحيله. وأثناء تجواله الجديد بدا شبيهاً بالقديس «فرنسيس الأسيزي»، هوناً ما، مثلما صوَّره نيقوس كازنتزاكيس، وعلى نقيض العزلة التي كان يرتجيها سيُرى جولدموند وقد رافَقَه شابٌ روماني اسمه «روبرت»، كان لا يزال يضع على كتفيْه ملافعَ الحجيج العائدين من روما. بدا روبرت منبهراً بقائده المتشرِّد، وفيّاً له، إنما غيوراً من مَيْلِ النساء إليه. ساقتهما الطرقاتُ إلى الدخول في مناطق اجتاحها وباءٌ دمَّر القرى وأفنى البشرَ، فأُصيب روبرتُ بالهلع وآثرَ الابتعاد، بينما شَمَّر جولدموند ونزلَ إلى الموت ليراه ويشهد أكوامَ الجثث ويتنشَّق العفونةَ التي لا يفلتُ منها جسدٌ، لكأنما فُتِحت بطنُ الأرض وأُصْعِدَت خفاياها إليه، كرمى له، كي يتسكَّع بين قبورها قاطبةً. عايَنَ جولدموند اجتياحَ الوباء الذي أبانَ له عن جوهره؛ فهو لا يأتي حاملاً فقط الموتَ والتهلكة للبشر وما يملكون، بل يحمل لهم الجنونَ كذلك. لقد صَدَّ جولدموند الموتَ حين حاول ﭬـيكتور أن يخنقه، وحدسَ آنذاك أنه سينجو، وحَذِقَ أن من الموتِ موتاً يمكن الفرارُ منه، إلا أن الموتَ الذي تروِّجه الأوبئةُ هو موتٌ لا يُصدُّ ولا يمكن الفرارُ منه. رَاحَ جولدموند يتأملُ الموتى وقد أُبيحوا لتأملاتِه، ثم عادَ من كنفهم حزيناً مُبتهِجاً مُحتفِلاً بالحياة وبالموت وبالنجاة، وتمكَّن من انتزاع الفتاة «لِنِّه» التي أطلَّت من وسط الخرائب؛ ناداها مثلما ينادي مَسيحٌ كارِزٌ على نُصراءِه، واتخذها حبيبةً وزوجةً، ومضى بها إلى كوخ مهجور بالغابة، يرافقهما روبرت. وكان أنْ غدت لِنِّه تغني، ذلك أن جنينَها من حبيبها جولدموند قد وافاها بأماراتِ وجوده، فازدادَ عزمُها على الاستقرار وعلى استبقاء جولدموند معها، بينما كان هو يخطط للترحال وحيداً، قاصداً العودة إلى مدينة المعلم نيقولاس لكي ينحت تمثالَ حواء، ثم الإياب إلى دير ماريابرون للقاء نرسيس. وفي تلك الأيام قتلَ جولدموند قتيلَه الثاني؛ ذلك الغريب الذي هاجَم لِنِّه وحاول اغتصابها، فاستغاثت، وسمع جولدموند صرخاتِها البعيدة، فهرع وأطبق بيديْه على عنق المعتدي وخنقه ثم هشَّم رأسَه على صخرة ورماه، ومع ذلك ظل هائجاً غير مكْتفٍ بالتنكيل الذي أترعَ به قتيلَه، غير أنه لمحَ عينيْ لِنِّه المرعوبتيْن القريرتيْن الراضيتين، والتقطَ منهما النظرة التي سيضعها، لاحقاً، في عينيْ تمثالِه الآتي؛ تمثال حواء، الذي ستتفشّى في وجهه تعبيراتُ وقسماتُ وجه لِنِّه المتلذِّذ بالحب والمشتاق إلى الموت. وفي تلك الليلة بالذات، وبينما عيناه تنعسان، تمكَّن من رؤية وجه حواء بكل قسماته وبما فيه من شغفٍ بالقتْل. أُصيبت لِنِّه بعدوى من الوباء، وتخوَّف روبرت – صاحب الوجود المبهَم وغير الضروري في الرواية - على حياته ورغبَ في الابتعاد قليلاً عن صُحبتهما لئلا يُصاب، فتغالظَ عليه جولدموند وطردَه. ظل جولدموند ملتصقاً بحبيبته لِنِّه، يُشعِرها بودادِه ويواسيها ويداعبها ويقويَّها، وهو يعلم أنها لن تنجو، بل لعلها هي التي أذعنت للموت، تفضيلاً له، إذْ كانت قد التقطت انتواءَ جولدموند الأكيد على الرحيل عنها، على أية حال. في الليل، احتضرت وماتت، وهو مُلازِمُها بحبه وعنايته وشفقته وأساه. في الصباح، أوقدَ جولدموند النيرانَ في الكوخ بعد أن ودَّعَ جثة لِنِّه، تارِكاً إياها للتفحُّم في المحرقة، فعساه كان بذلك يُنجيها من التعفُّن المحتوم، ثم مضى وحيداً محزونا. كان جولدموند عاكِفاً طوال وقته على اختمار تمثال حواء في فؤاده، وقد اشتاق إلى العودة إلى العمل في نحت تمثاله المأمول، بعدما أترعته مشاهدُ الموت وبعدما بانَ له أن الموتَ ما هو إلا عودةُ الأبناء إلى أمهم الأرض؛ الـحـوّاء. وإنْ كان نرسيس هو مَنْ فتح عين جولدموند، بعد السُّبات، على أمه، والدته، فإنَّ الفن هو الذي شاغَلَ روحَه بفكرة الأم الأولى، حواء، أم البشر أجمعين.
كان جولدموند لا يزال يشق طريقَه في الأرضَ الموبوءة حين التقى «ربيكا»، الحسناء اليهودية، السمراء، الفاتنة، وكانت تبكي أباها الذي أحرقه أهلُ البلدة. لم أعثر، كقارئٍ لهذه الرواية، على ضرورةٍ تستوجب من كاتبها التطرُّق إلى تسمية ديانة الفتاة، وإذا كان هِسه بذلك قد رغب في تَحبُّبٍ ما أو في حَشْر مظلومية شائعة بصفحاته فإنه يكون قد أبهظ روايتَه بها مجاناً. تودَّدَ البطلُ إلى الحسناء، وساعدها في دفن أبيها، ولاطفَها، وتوسَّل إليها، وبذلَ ما في وِسعِه لاستمالتها إليه، لكن الفتاة اليهودية كانت موجوعة وشديدة الاكتئاب والتوجُّس والنفور، ولم تستجب لمحايلاته، فغادرها وهو يتمناها، مؤمناً في قرارة قلبه أنه لم يعشق سوى ليديا وربيكا. وفي مروره، دخل كنيسةً لأجل الاعتراف والتماس التخفف من آثامه، وبدا له أن الوباء قد أفنى كُهَّان الاعتراف، فركعَ جولدموند وأفرجَ عن هرطقاته، وهرطقَ من جديد وسَاءَلَ الإلهَ عن مآسي البشر وعن تخليه عن مخلوقاته. تأمل جولدموند ما انقضى من حياته وخَلُص إلى أن لا عيْش بدون العمل الخلّاق، لكن العمل الخلّاق يغتذي، أصلاً، على العيْش وعلى العمر وعلى الحياة، ولا حَل. إنه مشبوبٌ يتحرَّق توقاً إلى العمل الخلّاق والبدء في نحْتِ تمثال حواء، وكانت رغبته في الوصول إلى ورشة النحت لدى المعلم نيقولاس تستعر في قلبه.
بعد سنين عاد جولدموند مُبتهِجاً إلى المدينة، وسرعان ما فَهِمَ أن الوباء قد مرَّ بها. قَصَدَ إلى بيت المعلم نيقولاس والاضطراب يُمِضّه. مات نيقولاس، وسُكِّرت الورشة، وكان ثمة موتٌ من نوعٍ آخر بانتظاره؛ ضَمرت ليسبت وذبُلت، وذوى جمالُها الفائق، وأوجعت جولدموند باستغنائها عنه وبكبريائها الأصيل الباقي وكرْبِها وفرْطِ كمدِها. في طُرقات وأسواق المدينة صادَفَ جولدموند قليلين لا يزالون يتذكرونه، لكن مَنْ وجدته كانت هي ماري، العرجاء، التي تحبه وتنتظره، والتي كانت قد سقته الحليبَ في وداعه يومَ رحيله، وأخذته ماري ليعاود السُّكنى في بيت أبيها.
واصلَ جولدموند مغامراته، وقام بمقامرته الكبرى مع الليدي «آجنس» عشيقة الكونت هاينريش، ووصلَ إلى مخدعها، واستوفيا وصالَهما، وتواعدا. وفي خلوته التالية معها كاد الكونت أن يضبطه في سرير العشيقة، لولا أن جولدموند المفزوع تصنَّع أنه قد أتى بقصدِ السرقة، واسترحمَ الكونتَ فلم يأمر بشنقه في التو بل بتقييده وسجْنِه ريثما يُشنق عند طلوع الفجر. وفكَّرَ جولدموند بأنه قد حانَ دورُه ليموتَ مثلما زامَنَ هو أدوارَ الآخرين في الموت، وبكى وأجهشَ، ومن حُرقتِه نادى أمَّه واستنجدَ بها، وطلَبَها، حتى تجلَّت له صورتُها كيفما رآها في دير ماريابرون بعد ما حَثَّه نرسيس على ابتعاثها. في سرداب القصر مرَّ كاهنٌ مع جماعته وشاهدَ الحراسَ وهم يسوقون جولدموند إلى محبسه، وعرف منهم أن السجين سيُشنَق عند الفجر، فأمرهم بألا ينفِّذوا الحُكمَ حتى يأتي كاهنُ اعترافٍ لأجل ذلك الـمَسوق إلى حتفِه. لم يكن ذلك الكاهن سوى نرسيس، الذي كان قد صار رئيساً لدير ماريابرون وحضرَ بتلك الصفة لمداولة بعض الشؤون مع الكونت، وتعرَّف على جولدموند، بينما لم يتعرَّف جولدموند عليه، وإنْ كان قد لاحظَ اِتشاحَه بأردية دير ماريابرون. ويا لها من مصادفةٍ هائلة دبّرها المؤلِّف هِسه ووهبها لبطله المتشرّد في نَفحةٍ للحظِّ عزيزةٍ ونادرةِ!
أثناء الليل استطاع جولدموند أن يحتَّ قيودَه ويقطعها، ولم يُبالِ بجراح معصميْه وساعديْه، وعَزَمَ على التربُّص بالكاهن الذي سيأتي باكراً ليتلقى اعترافَه الأخير، وانتوى أن يقتله ثم يخلع عنه ثوبَه الكهنوتي ويتشح هو به، ويخدع الحرّاسَ، ويفرّ. أثناء ذلك الليل أيضاً استطاع نرسيس الاتصالَ بالكونت والحصول منه على العفو عن السجين، وقدَّم - في مقابل إصدار العفو - تنازلاتٍ في شؤون الدير التي كان يتداول أمرَها مع الكونت، ولَسوف يُخفي كل تلك التفصيلات ويكتمها، بنبالةٍ، عن جولدموند أبدا. عند الفجر جاء نرسيس بلا حُراس إلى زنزانة جولدموند! وفتح الباب بالمفتاح! وجولدموند يترقّب اللحظةَ لتنفيذ خطة هربِه. رأى جولدموند الكاهنَ الداخلَ عليه لا يرتدي فحسب أردية دير ماريابرون بل يضع أيضاً الشارات المميِّزة لرئيس الدير، وما إن لمحَ وجهَه حتى تمتمت شفتاه باسمِ نرسيس. اضطرب السجينُ واضطرب الكاهنُ. اضطرب الصديقان لهذا اللقاء، بعد فراقٍ طالَ وانطوى فيه شبابُهما. إنه نرسيس الذي لم يعد اسمُه نرسيس، إذْ اتخذ لنفسه، عند رَسامَته ككاهن، اسمَ «يوحنا»! ولقد حاول جولدموند تجنُّبَ البكاء والعاطفية فلجأ إلى الحديث بسخرية وتبجُّح ولامبالاة مصطنعة، وكان نرسيس بسيطاً طبيعياً مُتقبِّلاً حالاتِ صديقه. لم ينسَ جولدموند، وهو خارج برفقة نرسيس من القصر، أن يرفع عينيه إلى النوافذ، آملاً ألا تكون آجنس مُطلّة هنالك من إحداها، ولقد فاتَه أن يتذكر إطلالة ليسبت السامية من نافذتها في تلك الأمسية البعيدة. جولدموند مع نرسيس على حصانيْهما وبرفقتهما اثنان آخران من ماريابرون، في طريق الرحلة الطويلة لأجل العودة إلى الدير، وجولدموند يلتمس من صديقه أن يمروا بساحة السوق، قبل الخروج من المدينة، لأنه توقَّع أن تكون ماري توالي انتظاراتِها له، حيث تتوقع هي بدورها أنها سيمكنها حتماً العثورَ على حبيبها هناك. تكلم جولدموند عن النحت، وتحادثا معاً عن النماذج الأصلية للفن، تلك التي تكون كامنةً كأفكار في أرواح الفنانين الحقيقيين، وسُّرَّ نرسيسُ بما يتحقق بالفن في روح صديقه، وطلب منه أن يقيم لفترةٍ طويلة معهم في ضيافة دير ماريابرون، وشَفَعَ طلبَه بوعدِه أن يقيم له ورشةَ نحت داخل الدير.
مَرَّ موكبُ نرسيس وجولدموند بالتلال التي ارتقاها جولدموند، أثناء العمر الغابر، مع ليديا. وآثرَ العاشقُ القديم أن يستتر عند المرور بقلعة الفارس، وقد باتت جوليا، مع زوجها، هي سيدة المكان، ولا خبرَ عن وجود الفارس ولا وجود ليديا. وقبل الوصول إلى دير ماريابرون اجتازوا الحقل الذي كان مَطرح عُرسِه الأول مع ليزا.
إنه يتذكر كل شيء في الدير، لكنه أصبح يتعرَّف عليه ويراه بعينٍ جديدة، ويقدِّر كل ما فيه، ويعاود رؤية نفسه صبياً ضمن تلاميذ مدرسة الدير الصاخبين، وكان يشعر بالمحبة والدماثة في كل معاملات نرسيس معه، ومع ذلك شَعَرَ بتراجُع جُرأتِه على مداومة مناداته باسم "نرسيس"، وبدأ في مناداته باسم "يوحنا". كان جولدموند يريد أن يعمل ويتوق إلى أن ينحت، حتى يراه نرسيس على حقيقته، وحتى يثبت له أن يستحق العفوَ الذي استصدره له من الكونت، وأنه يستحق فرصةَ الحياة الجديدة التي مُنِحت له. أمرَ الأبُ يوحنا، رئيسُ الدير، بتوفير كل ما يحتاجه صديقه النحَّات جولدموند لورشتِه.
أقام جولدموند ورشتَه قُرب بوابة فناء الدير، وقطعَ وجلبَ الأخشابَ، وصنعَ أدواتِه بمساعدة الحدَّاد. صار «إريش» ابن الحداد صديقه وعمل مساعداً له وتلميذاً، وبدأ جولدموند في نحت مجموعة من التماثيل، من بينها تمثال «لوقا» الإنجيلي بملامح المعلم نيقولاس، وتمثال إنجيلي آخر بملامح الأب «دانييل» الرئيس السابق للدير، واندمج في عمله وانشغلَ وكاد يختفي عن أنظار الجميع، حتى مساعده إريش كان لا يسمع منه كلمةً لأيام. وذات يوم طلب جولدموند من نرسيس أن يتلقى منه اعترافَه، وأنصت نرسيس، برحابةٍ وبلا تشويش عليه ولا تدخُّل، إلى ما أفضى به صديقُه، وأقر جولدموند بافتقاره إلى الإيمان بعدالة ورحمة الإله. بالطبع فإن نرسيس لم يتبجّح أبداً، ولربما كانت الشكوك في عقله أعمق وأشد. يعترف نرسيس لصديقه بأنه تعلَّم ويتعلم الكثيرَ منه، وبأن للمعرفة دروبٌ مختلفة تؤدي إليها، فيمكن تحصيلها عبر الأحاسيس مثلما يمكن تحصيلها بالدراسة.
إن ما يتخفّى في سريرة المرء يتسلل إلى إبداعاته. بعد أن قدَّم جولدموند منحوتاته في تمامها فرغَ قلبُه، ولقد أُعجب بها نرسيس، الأب يوحنا، شاكراً ممتناً إلى جولدموند الذي عاد إلى الهيام، لأيامٍ، في الحقول، بالقرب من الدير، وصادفته فتاةٌ فحاول استمالتَها، لكنها تهرَّبت مما لم تتهرَّب منه سابقاتُها، فكان له أنْ يستفيق إلى أن شبابَه المغوي قد وَلّى. وبدأ جولدموند في نحت تمثاله الأخير؛ منحوتة مريم العذراء التي اختصها بالملامح الحلوة ذات الحياء المأخوذة من قسمات الحبيبة ليديا الجميلة. وبعد أن أتمَّها طلبَ من نرسيس إبقاءَها في غرفته، ثم استأذنَه في الرحيل، والتمسَ مباركتَه. أمدَّه نرسيسُ بحصانٍ، وأمر بتنفيذ كل طلباته، وودَّعه برقةٍ، ومضى جولدموند، وسرعان ما أوقعَه الحصانُ في جدول مياه فمرضَ واعتلَّ، لكنه خجلَ من العودة إلى دير نرسيس فتمالكَ نفسَه واستأنفَ جولاته، وتعاقبت الفصولُ عليه، وفي فصل خريفٍ عاد جولدموند إلى الدير وقد بدا مُنهكاً مُتهالكاً مُستنزَفاً مُعتلاً شائِخاً بسنواتٍ أكثر من عمره، وإنْ بقيت على محياه ابتسامتُه وعلائمُ سماحتِه وصبرِه. دخل غرفتَه نعساناً، وطلب من إريش ألا يخبر أحداً بعودته حتى ينام ويصحو، لمحَ تمثالَ العذراء ليديا مُغطَّى فلم يرفع عنه القماشةَ، واستلقى من فورِه على سريره، غير أن النوم جافاه، فقام ووقف أمام المرآة ونظرَ إلى وجهه وتمعَّن، وارتضى واقتنعَ بالوجه الواهن المسالم الذي صار له. وفي اليوم التالي أُخبِر نرسيس فحضرَ مُتلهفاً، والتقى الصديقان من جديد، برقةٍ، وبَشَّ نرسيس في وجه جولدموند، ونظر إليه في عينيه، وأيقنَ بخبرته الرهيفة في استكناه الوجوه أن ذلك الشخص العائد قد انفصل عن الواقع، وعن الماضي، وأنه – بحقٍ – قد نسيَه، لَكأن طيةً من الزمن قد باتت تحجز بينهما. قبَّل نرسيس شعْرَ وجبينَ جولدموند، وعبَّر له بالكلمات عن حبه له وعن اغتناءِ كيانِه بصداقته، واعترفَ له جولدموند بأن سعيَه الأهم في الحياة كان من أجل أن يكسب حبَّه. استدعى نرسيس طبيبَ الدير وأودعَ في عنايته جولدموند الذي بات يهذي بأحداث حياته وهو مستلقٍ في شبه غيبوبة، وقد استعصى مرضُه على العلاج. يعلم جولدموند أن موته قد حان وقتُه، وهو راغبٌ في الموت ومتلهِّفٌ عليه، ولا أوهام لديه ولا اهتمام بخصوص الحياة الأبدية، إنما هو ينتظر الموتَ باعتباره السبيل، من جديد، إلى حضن أمه وإلى البراءة. إنه على حالةٍ معاكِسة لِما كان عليه في ليلة سجنه بسرداب قصر الكونت، حيث كانت تسري فيه الحياةُ مُضاعفةً، وكان من العسير إماتته إلا إذا أُميت مرتيْن. لم يتخلَّ جولدموند عن نسائه، واعترفَ لنرسيس بأنه كان قد علم بوجود آجنس وعشيقها الكونت هاينريش بالقرب من الدير يجوبان في جولات فاشتاق إلى لُقياها ووِصالها من جديد، وكان ذلك هو باعثه على الانطلاق، ولقد انطلقَ، والتقى بعد أسبوعٍ حبيبتَه العذبة آجنس، وأفلح في الانفراد بها والتكلُّم معها، على أية حال، لكن هيأتَه لم تشغفها فزهدت فيه ورفضته. لقد حكمت عليه آجنس وأفقدته ثقته بعنفوانه ووضعت له الختام، فانسحبت من المخذول عزيمتُه، وأوقعه الحصانُ، وأمرَضَه، بعد انطراحه في مياه الجدول لليلةٍ كاملة. تقبَّل جولدموند انكسارَه برضا، بل بابتهاج، وعرف أنه حقاً قد بات في طور الموت، وأمتعه ذلك بسبب إحساسه بحضور أمه معه وعكوفها عليه وانتزاعها للآلام من أضلعه التي حطمها السقوطُ من فوق صهوة الحصان. وعلى كل حال شَعَرَ جولدموند أنه إنْ كان قد تألم، في سنينه، فقد تألم آلاماً جيدة لأنها طالَ ما أعادته إلى صوابه.
إن عالَم جولدموند هو من الصور، بينما عالم نرسيس هو من المفاهيم. شارة جولدموند هي الدماء والشبق، وشارة نرسيس هي النظام والتضحية. صديقان عزيزان هُما؛ هذا الذي قَمَعَ شهواتِه واستنارَ من جهاده معها وتعلَّم من الكتب ومن الانعزال والصيام والتأمل، ومن السماء، ثم ترأّس الديرَ، وهذا الذي أفصحَ عن أن روحَه تتأذى بالقبوع داخل جدران الدير، واستنار من إحقاقِه لشهواته، وتعلَّم من ملاقاة النساء ومن السُّبُل والفنون، ومن الأرض، وترأّس حياةَ نفسه. كانا صديقيْن منذ البداية، فرِحيْن باختلافهما، راضييْن بالفراق المحتوم عليهما جرَّاء ذلك، وظلا – على البُعد – صديقيْن طوال عمريْهما، والتقيا – على ما رغب وأراد هيرمان هِسه، المؤلف – عند الختام، ليموت أحدهما وهو آنِسٌ بالآخر.
هدف الحياة من وِجهة نظر نرسيس هو أن يحقق الإنسانُ ذاتَه؛ أي يحقق أثناء حياته نصيباً جزئياً من الكمال، أي يعمل لأجل أن يتجلّى فيه شيءٌ أو قبسٌ من الله ذي الكمال الكلي. وأظنُّ أن تفضيلات، بل انحيازات، هِسه واضحة؛ فهذا هو نرسيس الذي حَلَّ أولاً الأنشوطة الخانقة عن حياة الصبي جولدموند بخصوص أمه، ثم إنه هو الذي أطلقه إلى نوعية الحياة التي تُلائمه، وهو الذي أفلت له عنقَه من مشنقة الكونت، وهو الذي ارتضى منه - بسماحةٍ - إتيانَه بكل ما لا يستسيغه هو، وهو الذي آواه في الدير حين اقترب الختامُ، وأهداه ورشةً يزاول فيها فنونَه، واحتضن منه أنفاسَه الأخيرة، وهو الذي بقي في النهاية من الإثنيْن اللذيْن كاناهما.
جولدموند يحتضر. ونرسيس، في كرْبٍ ولوعاتٍ، ساهرٌ عليه، ويسمع منه بصعوبة كلماته الأخيرة: «ولكن كيف يمكن أن تموت أنت يا نرسيس؟ أنت لا تعرف لك أماً. كيف يمكننا أن نحب بدون أم؟ إننا بدون أم لا نستطيع أن نموت».
وما كان بمقدور جولدموند أن ينحت تمثالَ حواء، تمثالَ أمه، ذاك الذي تمنّى أن يحفره وينقشه، وإنه لَيدرك في لحظات احتضاره أن أمه هي التي نقشته ونقشت حياتَه، وأنها هي التي عطَّلته عن ذلك التمثال لأنها ما كانت لتجيز له أن يسْبر أسرارَها.
-----------
المؤلِّف «هيرمان هِسه» (Hermann Hesse)، سويسري من أصل ألماني (2 يوليو 1877 – 9 أغسطس 1962)، حصل على جائزة نوبل سنة 1946. رواية «نرسيس وجولدموند» (أو بحسب نُطقها الأصلي «نارتسيس و جولتمونت») (Narcissus and Goldmund) (Narziß und Goldmund) (1930)، ترجمة «أسامة منزلجي»، 334 صفحة، «دار حوران للطباعة والترجمة والنشر»، سورية، 1996.
__
[email protected]