عادت بيروت الى فلسطين في عام ٢٠١٤، في الوقت الذي تبتعد فيه بعض العواصم العربية عن فلسطين، وتحجُّ إلى تل أبيب. عودة بدت مستحيلة ومنتزعة من سنوات السبعينات حين كانت فلسطين بوصلة سياسية وثقافية، ومعادلاً موضوعياً للكرامة والحرية والعدالة، لكنّ هذه البوصلة ضاعت اليوم، وضاعت معها بلدان في ظلمات «داعش» وسلالات النفط والغاز وطغيان الأنظمة العربية.


يُراد للشعوب العربية أن تصدق اليوم أن لديها ما يكفي من المصائب والمشاكل التي تبرر لها عدم الالتفات الى كارثة فلسطين المستمرة. هذه البروباغندا نجحت إلى الحد الذي أشاحت فيها القاهرة بوجهها عن مشاهد القصف الإسرائيلي على غزة، وبدا مثقفوها بلا حول ولا قوّة. كنا نظن ونحن نعيش الحرب أنّ ما عجزت السياسة عن فعله، يمكن للثقافة ان تفعله. أن تقول لا في وجه من قالوا نعم، كما قال شاعر رفض أن يُصالح. خيّبت القاهرة التي نعشقها ظننا، لكن بيروت لم تفعل، بل عادت الى الأرض المحتلة ولو من بوّابة الفن التشكيلي، ومدّت «جسر نحو فلسطين» في «مركز بيروت للمعارض». المعرض الفني الذي نظّمته غاليري «مارك هاشم» تزامن مع الحرب الاسرائيلية على غزة، وجمع ١٧ فناناً فلسطينياً يختلفون في أدواتهم الفنية، ولكن يجمعهم قلق السؤال الإنساني ومصير الهوية المجهول وحُرقة المنفى واللجوء. هكذا شاهدنا أعمالاً لناصر السومي وليلى الشوا ومحمد الحواجري ومنذر جوابرة وماري توما ورانيا مطر.
وفي الأرض المحتلة، رحل الشاعر سميح القاسم الذي حفظ الفلسطينيون بعضاً من قصائده، أبرزها «رسالة إلى غزاة لا يقرأون» التي ارتبطت في مخيلة الناس بانتفاضة الحجارة عام ١٩٨٧.

طاول ظلام الوهابيّة
مدينتي عكا وحيفا
القاسم الذي ولد في الزرقاء الأردنية عام ١٩٣٩ ودفن في بلدة الرامة، تضيء سيرته التي تركها في «إنها مجرد منفضة» و»الى الجحيم أيها الليلك!» على صداقته مع محمود درويش وتجربته في الصحافة، والعمل في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كما تضيء على نقاشٍ تاريخي شبه منسي يتعلق بالمأزق المصيري الذي طاول أبناء الطائفة الدرزية بعد نكبة عام ١٩٤٨: بين الولاء لعروبتهم أو الولاء لإسرائيل. القاسم الذي ظل يعلن الولاء لعروبته في قصائده وأعماله، أسس مع آخرين مبادرة لتشجيع رفض الخدمة بين الشباب الدروز في الجيش الإسرائيلي. أما رفيقه في الشعر محمود درويش، فكان نصيبه من عام ٢٠١٤ فيلم إسرائيلي بعنوان «سجّل أنا عربي». الفيلم الذي عدّه محبو درويش إساءة إليه، يلقي الضوء على علاقة صاحب «كاما سوطرا» بامرأة يهودية يدّعي الفيلم أنها «ريتا».
وطاول ظلام الوهابيّة مدينتيّ عكا وحيفا الغارقتين في ظلام الاحتلال، حين ألغت فرقة «وطن ع وتر» عروضها المسرحية بعد تهديد متطرفين إياها بدعوى «الإساءة إلى الإسلام». الفرقة التي نجحت في خلق جمهور واسع لها في الكثير من المدن والقرى الفلسطينية، استخدمت النكتة السياسية والكليشيهات في حلقات مسلسلها «وطن ع وتر» للسخرية من تنظيم «داعش» والحركات الإسلامية في سوريا والعراق. وفي سخنين (الجليل الفلسطيني) وطرعان (قضاء مدينة الناصرة) أُلغي عرض فيلم «المخلّص» بحجة «مخالفته للعقيدة الاسلامية».
وفي حلبة التطبيع الثقافي والتمويل الأجنبي، سدد النشطاء الفلسطينيون والعرب لكمة إلى المؤسسات التي تتعاون مع «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، كان أبرزها «مهرجان الربيع» في أريحا. وكالة الـ «يو. أس. آيد.» التي ترمي الى «تقوية قوات الأمن لحلفاء وشركاء أساسيين؛ عبر مساعدة عسكرية لإسرائيل والأُردن» ظهر في مهرجانها الكثير من الفنانين، منهم المغنية دلال أبو آمنة، والمغني مراد السويطي، وفرقة «عشاق الشيخ إمام»، وفرقة «الكمنجاتي» وفرقة «دام» التي غنت مقدمة الشارة لمسلسلٍ بث على التلفزيون الإسرائيلي بعنوان «شغل عرب». يذكر أن قلّة الجودة والكفاءة الفنية هي ما ميّز أغلب الفرق الفنية والمسرحية المشاركة في «مهرجان الربيع» في أريحا.
وليس بعيداً عن «وكالة التنمية» لكن هذه المرّة في عمان، حيث اعتذر بعض المثقفين عن عدم مشاركتهم في «ملتقى الدفاع عن حرية الاعلام» الثالث الذي رعته «يو.أس.آيد.»، والسفارة الأميركية في العراق وقناتا «الجزيرة» و»العربية». هذا الاعتذار جاء بعد بيان استنكر فيه النشطاء العرب الخطاب المتناقض لبعض المثقفين، الذين يحسبون في «صف المعارضة للإمبريالية والكيان الصهيوني» وفي الوقت ذاته يشاركون في فعاليات ترعاها «الإمبريالية الأميركية».
وربما كانت ٢٠١٤ سنة الفن التشكيلي بامتياز. انطلقت فعاليات «مهرجان قلنديا الدولي» في نسخته الثانية، متخذاً من الأرشيف حجر الزاوية في معارضه الفنية والأدائية، وكان من أبرزها معرض فوتوغرافي لأحلام شبلي بعنوان «أرشيف رام الله». شبلي اشتغلت على صور نيغاتيف وجدت في استديو مصوّر أرمني في رام الله. وقرأت من خلال هذا «النيغاتيف» تبدلات الهوية والمكان الفلسطينيين، إضافة الى تبدلات طريقة مشاهدة المكان ورؤيته بالعين المجردة أو عبر عدسة الكاميرا. وفي رام الله أيضاً، نظّم «غاليري واحد» معارض فردية لبشار حروب، وخالد جرار، ومجد عبد الحميد، وأيمن عيسى، وفيرا تماري، لكن على روزنامة عام ٢٠١٤ الكثير من البرامج والمهرجانات والفعاليات الأخرى، كان هناك أيضاً رقص وشعر ومسرح وغناء. في بلد يخنقه الاحتلال الإسرائيلي منذ ٦٦ عاماً، يعرف الناس أين يجدون الثقافة، كما يعرفون أين يجدون الهواء إذا أرادوا أن يتنفسوا قليلاً من الحرية.