ظل اسم الروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو (1911 ــــــ 2011) بمنأى عن اهتمامات قرّاء العربية الذين وقعوا في هوى كتّاب الواقعية السحرية، هذه الموجة التي اقتحمت الساحة كالهشيم في النار. انتبه الدبلوماسي السوري عبد السلام عقيل الذي كان مقيماً في بوينس آيرس حينذاك إلى أهمية «آخر كلاسيكيي الأدب الأرجنتيني» المهمل عربياً، فقرّر ترجمة أعماله إلى لغة الضاد. كانت حصيلة عمله ترجمة ثلاث روايات له، في أزمنة متفرّقة، هي «النفق»، و«أبطال وقبور»، و«ملاك الجحيم» وقد نفدت منذ سنوات طويلة... إلى أن حصلت «دار ورد» الدمشقية أخيراً على حقوق الترجمة إلى العربية، ما سيتيح قراءة هذه الأعمال مجدّداً، بما يشبه اكتشاف حبرٍ آخر. تكمن خصوصية ساباتو بإماطة اللثام عن عذابات الكائن البشري وفضح همجية العالم، من موقعه كعالم فيزياء ورسّام، كان يتمنّى أن يكون عالم آثار، أو عالم لغة، أو ميكانيكياً في ورشة صغيرة. في «النفق» (1948) نحن إزاء جريمة قتل يرتكبها رسّام أعمى بحق امرأة اكتشفت لغز إحدى لوحاته، لكن الحكاية لا تذهب إلى الحبكة البوليسية بقدر ما تتوغل في متاهات النفس البشرية لتشمل جريمة الكون كلّه.



كما يتبدى ذلك في «أبطال وقبور» (1961) فاضحاً طبقات العار وأحوال الخزي التي أفرزتها تحولّات القرن العشرين، ذلك أنّ العالم لم يشفَ من همجيته، رغم اتّساع محيط المعرفة. في روايته الأخيرة «ملاك الجحيم» (1974) التي تزاوج بين السيرة الذاتية وهبوب ريح الكارثة العمومية، ستزداد وتيرة العنف والرعب والكوابيس، وسيباح العالم للعصابات والمشعوذين والمهرّبين، كأنّ لا أمل للبشرية بالنجاة. تتشابك الأحداث والمشاهد المفزعة بسرد زئبقي ومتشكّك، لا يقيني، وإذا بالبشر جميعاً ضحية الاستهلاك الهمجي، والبهيمية لتنتصر الغريزة وحدها. على المقلب الآخر، يعلن ساباتو احتجاجه على ما آل إليه الكوكب من دمار وخراب. ففي «الكاتب وكوابيسه»، يشير إلى «الكذبة الملفّقة» التي أفرزتها التقنية المتقدمة للعلم، تلك التقنية التي أسهمت في «تسريع وتيرة الكارثة التي تحدّق بالإنسانية» الغارقة في متاهة عدمية لا مناصّ منها. ينتسب صاحب «الممانعة» إلى قائمة كتّاب الروايات العظيمة، تلك التي تنسج خطوطها بالعمل على «تعميق مهاوي القلب البشري»، معتبراً أن الإبداع التخييلي كالحلم الذي «يقتحم الأراضي السحيقة للبشر، بحثاً عن الفردوس المفقود». دُفن أرنستو ساباتو في مقبرة «حديقة السلام» في بوينس أيرس، وليس في حديقة منزله، كما كان يرغب، متوّجاً بأعظم جائزة أدبية في الإسبانية «جائزة سرفانتس»، وبقي اسمه مؤجّلاً في مسودات قائمة «نوبل».