تأبى جنان بلوط إلّا أن تسلكَ الدّروبَ الصّعبة. لم تواجه في أطروحتها للدّكتوراه منهجاً محدّداً واحداً كغالبيّة الطّلاب. أحصت القضايا الأدبيّةَ والنّقديّةَ والفكريّةَ الّتي أثارتها مجلّة «الفكر العربيّ المعاصر» طوال سنوات صدورها، متصدّية لها بالتّصنيف والتّحليل والدّرس والمناقشة بشكلٍ لافت.

ها هي الآن مستمرّة في ما بدأته. دخلت ميدان الشّعريّة في كتابها الجديد «الرؤية الفنية في شعر سلمان زين الدين» (دار نلسن).إذا كان الشّعرُ نتاجَ رؤية خاصّة إلى العالم تنقلها إلينا اللّغةُ المتّسمةُ بالفرادةِ، فإنّ النّقد الأدبيّ نتاجُ رؤيةٍ خاصّةٍ إلى الأدب تنقلها إلينا لغة على اللّغة على حدّ تعبير جاكبسون. والرّؤية الخاصّة سواء أكانت متعدّية إلى العالم عند الشّاعر، أو إلى الأدب عند النّاقد، فإنها «بصمةٌ فريدةٌ» لا تأخذ بعدها الحقيقيّ إلّا إذا كان الرّائي قد امتلك ثقافة عصره وواجهها بما يُحرجها. وزعْمُ أدونيس بأنّ «الشّعريّة لا تكمن في ما يفصح عنه الشّاعرُ بل في طريقة إفصاحه»، متّصفٌ بقصورٍ يقدّم ما يُفصِح عنه الشّاعر قابليّةً لتعدّدِ الأثوابِ اللّغويّة. وهذا ما تجاوزه عبد القاهر الجرجانيّ ابنُ القرن الحادي عشر الميلاديّ، حين أشار إلى أنّ قولنا: «حضر زيدٌ» لا يساوي قولنا: «زيدٌ حضر»، بما يعني أنّ ما يفصح عنه الشّاعر لا ينفصل عن طريقة إفصاحه. فالتّعامل مع الأدب ليس مسألة اعتباطيّة، هو مسألة تستدعي التّدقيق في المفاهيم. ولعلّ تعليق الأكاديمية اللبنانية على كلام أدونيس عن الأدوات الجديدة في التّعبير، متسائلة: «هل أنقذ (هذا الشّاعر أو ذاك) لغتَه من استعمالها الشّائع (القاموسيّ) وجعلها كفيلة بالتّعبير عن رؤيته العالمَ والوجودَ بوصفه شاعراً مبدعاً؟»، قد جعلها تضع إصبعها على الحقيقة، خصوصاً حين ربطت التّعبير بالرّؤية من جهة، وبالعالم والوجود من جهة أخرى. هذه الثّلاثيّة الذّهبيّة الّتي لا يمكننا معرفة الأدبيّة عامّة والشّعريّة على وجه الخصوص من دونها.
دخول جنان بلوط إلى الشّعريّة من باب الحداثة وعقلِها العلميّ مكّنها من متابعة الشّعريّة العربيّة من زمن «هل غادر الشّعراء من متردِّم؟»، إلى زماننا هذا، زمانِ سلمان زين الدّين. هكذا استطاعت أن تقوم بقراءةٍ بنيويّةٍ أسلوبيّة سيميائيّةٍ متأّنّيةٍ لتجربة الشاعر اللبناني عبر فصلين: الأول حول حداثة الشعرية العربية، والثاني عن تطوّر الرؤية الفنية في شعر زين الدين. منذ عنوان مجموعته «الفردوس المفقود»، تنبّهت جنان باكراً إلى أنّ زين الدّين «سيستثمر شعريّة ذلك الفردوس ليشكّل فضاء نصّيّاً واسعاً يفجّر منه كلَّ ما هو ساكن في وعيه وفي لا وعيه من رؤى حداثيّة». فهل كان تنبُّهُها في محلّه؟ دخلت الكاتبة إلى شعريّة هذه المجموعة من باب البنيويّةِ الّتي أتاحت لها، أوّل ما أتاحت، قراءةَ سيميائيّةِ العنوان، لتعبر منها إلى شعريّة كلّ من المعجم والصّورة.
على مستوى المعجم، قامت بلّوط بإحصاء أسلوبيّ قادها إلى أنّ الحقول المعجميّةَ في «الفردوس المفقود» قد وزّعت على محورين رئيسيّين يشكّلان البنية العميقة للنّصّ، هما: «محورُ «أنا الشّاعر» الذي يشكّل امتداداً لطفولته، ومحورُ «الطّبيعة» الّتي تشكّل ملاذ طمأنينتِهِ». لم تقف بلوط عند حدود الإحصاء الأسلوبيّ، إذ تجاوزته إلى السّيميائيّة حين رأت في حقل الأنا علامة أبرزت دلالتها حين قالت: «تردّد الضّمير «أنا» ثماني وعشرين مرّة. ويعني هذا التّكثيف أنّ الضمير تحوّل إلى علامة دالّة تخصّ الشّاعر وحده في نظرته إلى العالم. وتقدّم خصوصيّة تجربته الإنسانيّة والحياتيّة والاجتماعيّة وتشي بنرجسيّة ... تعبّر عن افتتان الشّاعر بشعره، وعن عشقه ذاتَه».
لا تقلّ دراسة جنان الصّورةَ في شعر سلمان زين الدّين عن دراستها المعجم أهمّيّةً. وضعت أمامنا قول الشّاعر: «أقرأ الوعر/ وأخفي في ثناياه كنوز الذّكريات»، ثمّ قالت: «لقد صار الفعل «أقرأ» على مستوى فنّيّ آخر حين قدّمه الشّاعر بمدلول ثانٍ يستنطق كينونة الوعر الّذي انتقل... هو الآخر إلى هويّة فنّيّة جديدة تفوق هويّتَه الواقعيّة».
وإذا كانت وقفتها عند قصيدة «حجر» في مجموعته الأخيرة «دروب» قد أدخلتنا إلى مناخات سلمان زين الدّين العرفانيّة، مبرزة أهمّ ما يميّز شعره، فإنّ خاتمة دراستِها استطاعت أن تقدّم لنا شعريّة سلمان زين الدّين تقديماً يرسّخ في ذهننا تجلّيات تلك الشّعريّة. إذ تصفها: «إنّ القصيدة لديه، على مستوى الكلمةِ المفردة، والسّطر الشّعريّ، والصّورة، والإيقاع... والموضوع... تكشف عن مشكليّة ثقافيّة وفكريّة وإنسانيّة تثير تساؤلاً على نحو عميق عن تجربة الشّاعر... المتجذّرةِ في الحياة الإنسانيّة العميقة وتحوّلاتِها».لقد بلغت جنان مع شعريّة سلمان زين الدّين آخرَ حسِّها، كما بلغ الشّاعر العبّاسيُّ الكبير البحتريّ آخر حسِّه أمام لوحة أنطاكيّة.