هل ثمة فائدة من تأكيد المؤكد، وتكرار الرواية المؤلمة عن تخاذل الزعامات الفلسطينية، وزعامات الهزيمة والعقم الفكري ومن أيدها من النخب الفلسطينية؟ زعامات التخاذل التي استبدلت برنامج دولة ما يسمى الضفة والقطاع، بتحرير فلسطين وإقامة الدولة العلمانية. وقد عد ذلك مهمة قومية عربية، إما عن سبق تعمد وإصرار انطلاقاً من خضوع تام غير محدود لشروط أنظمة «سايكس - بيكو» الأعرابية، وطبعاً انطلاقاً من طموحات شخصية عبّر عنها قول زعامات الهزيمة، أو عن جهل وغباء وهبل: «نريد دولة ولو على مجاري إريحا... أو حتى على ظهر حمار».

أما من عارض سياسات الهزيمة والاستسلام التي تسللت إلى صفوف ما كان يعرف باسم «العمل الفدائي»، فاتّهم بالخيانة والتطرف. زعامات الهزيمة والاستسلام حولت «العمل الفدائي» إلى ميليشيا «ببرنامج سياسي» تكاد لا تمارس سوى مختلف أشكال الأعمال والتصرفات التي يندى لها جبين كل إنسان شريف! كل هذا بسبب أموال النفط، بترودولار مشيخات العمالة والعمولة، التي تمكنت من تحويل مشروع ثورة إلى ما لا يشبه الثورة بشيء.
هذا المؤلف بقلم البروفسور مهران كامرافا، وهدفه تقديم شرح مفصل لأسباب استحالة قيام دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. يرى مدير مركز الدراسات الدولية والإقليمية في «جامعة جورج طاون» في الدوحة، أن «اتفاقات أوسلو» وما تلاها لم تؤد إلى تحقيق هدف تأسيس دولة فلسطينية بل إلى منع ذلك على نحو غير قابل للتغيير، وجعلت ما تسمى «السلطة الوطنية» ذراعاً للعدو في مناطق حضورها.
يؤكد الكاتب أنّه يتمنى أن لا يكون استنتاجه الرئيس، الذي يلخصه عنوان المؤلف، صحيحاً، ما يضع تحليله للأوضاع في الأراض الفلسطينية المحتلة عام 1967، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وطبقياً وفكرياً وخلاف ذلك، ضمن دائرة لفت انتباه الصديق وتحذيره من النفق المظلم الذي اختار السير فيه؛ طريق الخطة الصهيونية الرامية إلى التطهير العرقي المنظم، الذي يسير بخطى ثابتة لكن صامتة، كما يقول. أما اعتراف بعض الدول الأوروبية بفلسطين دولة، وغير ذلك من الاستعراضات، فهي عوامل رمزية لا تغير الأوضاع القائمة، لأن الدولة تعني ممارسة سيادة على أرض ضمن حدود معترف بها.

الطبقة الوسطى تحوّلت إلى كمبرادور مرتبط بالعدو

في هذا المؤلف، الفريد في تفاصيله وشجاعته، برغم ملاحظاتنا على ما نراه من ضعف في بعض جوانبه، يناقش البرفسور مهران أموراً عدة نظرية، من بينها معنى الدولة والأمة والشعب والقومية وغير ذلك. هو يختلف في تعريفه للأمة مع من سبقه من العلماء ومنهم ماكس فيبر وإرِك هبسباوم وبندكت أندرسن صاحب مصطلح «أمة متخيلة»، إذ إنه يميز بين شعب (people) وأمة (nation) ويورد تفاصيل اختلافاته مع مختلف التعريفات والمصطلحات ذات الصلة. أما استنتاجه باستحالة قيام الدولة الفلسطينية، فيصب في مصلحة تعريف «أمة متخيلة».
الأكثر إيلاماً، إيلام الحقائق المفجعة، في هذا المؤلف الثمين، يكمن أيضاً في تحليل المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967. نستنتج بأن الاستسلام حل مكان الغضب، واليأس محل الآمال والتطلعات. الطبقة الوسطى في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تحولت إلى كمبرادور مرتبط بالعدو وهمها الوحيد المحافظة على أرباحها ومواقعها، وبالتالي إبقاء الوضع القائم. أما المنظمات غير الحكومية التي تمولها الدول الغربية الاستعمارية ووكالات الاستخبارات فيها، فتمارس دور التحكم في النخب الفلسطينية، إضافة إلى كونها مكتب توظيف لها، لا أكثر من ذلك. العاملون في تلك المنظمات همهم الوحيد، بالتالي، الحفاظ على وظائف ومعاشاتهم الشهرية. لم يبحث الكاتب في تركيبة «منظمة التحرير» وتحولها من مظلة للعمل الفدائي إلى ميليشيات ومكاتب توظيف وما إلى ذلك. فلولا أنها انحدرت إلى قاع ما لا قاع له، لما وافق العدو أصلاً على الحديث معها.
أما سياسة العدو، فكانت منذ البداية ممارسة التطهير العرقي (الفصل الثاني) عبر إقامة المستوطنات، بينما تمثل الجانب الجغرافي في تقسيم أراضي الضفة إلى مناطق «أ» و«ب» و«د». حولها إلى ما يشبه الجبن السويسري (الفصل الثالث). وبينما يعرّج الكاتب على مختلف جوانب الحياة في تلك المناطق، خصص الفصل الرابع للحديث عن المجتمع الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وكيف أن اتفاقية «أوسلو» قضت على الطاقات الثورية الكامنة في مجتمع «الضفة والقطاع» (المزدوجات الاعتراضية منا). كذلك، يركز على الدور الذي مارسته ما تسمى السلطة الوطنية وحركتا «فتح» و«حماس» في هذا التحول الخطير، إضافة إلى تحول منظمات المجتمع المدني التي نشأت خلال الانتفاضة الأولى إلى منظمات غير حكومية تعتاش على عطايا الغرب الاستعماري.
الفصل الخامس خصصه الكاتب للحديث في جهود بناء الدولة بدءاً من «اتفاقات أوسلو». أما الفصل السادس، فيتحدث عن الطريق المستقبلي الذي لا يختلف عن الماضي.
ختاماً، لا بد من أن يستنتج القارئ أن الكاتب يتهم كل من ياسر عرفات ومحمود عباس بخيانة القضية الفلسطينية عبر تمسكهما بالمناصب بدلاً من إحداث تغيير على الأرض. الأخير ليس رئيس السلطة وإنما رئيس بلدية رام الله، همه الإثراء الشخصي والعائلي وحاشيته، كما أوضحت بعض «وثائق بنما». وقد وصل مقدار الفساد في مؤسساته إلى 80%، حيث يلامس المعاش الشهري لبعض زبانيته عشرة آلاف دولار، بينما لا يصل مثيله للموظفين العاديين إلى أكثر من 600 دولار، إضافة إلى استخدام محمود عباس وحاشيته أجهزة الاستخبارات التابعة لهم لقمع أي معارضة له، مهما كانت معتدلة. تغيب حقائق كهذه عن المؤلف، منها أيضاً حقيقة أن الشعب الفلسطيني ليس سكان الضفة والقطاع فقط بل أينما وجد، وهو أكثر من 12 مليون نسمة لهم كلمة في مصير بلادهم ومصيرهم.
أخيرًا، قد يقول بعضهم «الشيطان الذي تعرفه خير من الشيطان الذي لا تعرفه» أو «الشيطان الذي تعرفه أفضل من الملاك الذي لن تعثر عليه»، نقول: الشيطان الذي تعرفه يبقى شيطاناً رجيماً. مع ذلك، يؤكد الكاتب يؤكد أنه إن كان مشروع الدولة قد ولد ميتاً، فإن الشعب الفلسطيني وقضيته تبقى حية.