عند صدور مجموعتها الأخيرة «كما ولدتني اللّدية» عن «دار الأهلية» في عمّان، توقعنا أن تواصل الشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة (1985) النبش في تفاصيل حياتها اليومية، كالنصوص التي عثرنا عليها في باكورتها الأولى «ليوا» (2011)، لكنها خرجت بمزاج مختلف هذه المرة. ذهبت في مغامرة إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، لتأتي بالإله الكنعاني «بعل» ليزور بلده المحتل وتفاجأنا، كما تَفاجأ «بعل» نفسه حين حل في مجموعتها: «يقع بصري على لافتة "بيت إيل"/ أسير لأتفقد معبد أبي إيل؛ الإله الأعلى، وعند بابه أجد: مكتب ارتباط ـ تصاريح دخول إلى إسرائيل».

ابنة «دبورية» ـ القرية التي ترتاح على السفح الغربي لـ «جبل الطور» المقدس ـ والتي تعيش وتعمل في حيفا المحتلة، يبدو أنها أرادت أو حاولت أن تكتب فصلاً من "إلياذة" فلسطينية، أعادت فيه الإله الذي اتخذ أسماء كثيرة عارياً من ألوهته وصفاته. كثيراً ما قرأنا لشعراء استعانوا بشخصيات من الأسطورة والأديان، حسناً، ولكن قلما عثرنا على عمل كامل يتكئ عليهما ويتخذ منهما موضوعاً ومادة رئيسية. في "كما ولدتني اللّدية"، يظهر "بعل" الذي انتقلت شخصيته إلى "النبي إلياهو" في اليهودية و"مار جرجس" في المسيحية و"النبي الخضر" في الإسلام، لتنزع عنه الشاعرة كل الرموز والدلالات، وتقدمه عارياً إلا من أمه "اللّدية" ـ نسبة إلى مدينة اللّد ـ التي تظهر كأنها استعارة لفلسطين وللفلسطينيين في الألفية الثانية. هكذا تفتتح الشاعرة مجموعتها بصوت "بعل": "أخرج من صورتي التي وضعها الميثولوجيون في الكتب/ .. أخرج من أجساد كل الذين أخذوا صفاتي سراً وجهارا/.. أخرج من جسد جرجس/.. أخرج من جسد الخضر/ .. أخرج من جسد إلياهو/ من اسمي الذي نادى عليه أتباع يهوه. من إصحاح أيوب الذي لوى ذراعي. من معارك قاتلت فيها باسم رب لم أعرفه/ وآتيكم الآن نقياً/ كما ولدتني اللّدية".

الشاعرة الفلسطينية كتبت نصاً سياسياً من حيث لا تدري

في مجموعة عزايزة التي قسّمتها إلى ثلاثة أجزاء "كتف اللّدية" و"قلب اللّدية" و"رحم اللّدية"، نعثر على توليفة فريدة تتشابك فيها الميثولوجيا مع الواقع، بنفس المقدار الذي تتشابك فيه النصوص الدينية ـ التي تُطوّعها وتلهو بها برشاقة ـ مع مفردات الحياة المعاصرة، يطالعنا نص غني بالإسقاطات والاستعارات والتناص، لا تتوانى فيه الشاعرة أحياناً عن الاستعانة باللغة الدارجة بل حتى الأهازيج الشعبية: "يا بعل يا قبطان/ صوتِ الرمح غَلَب/ الموجِة عِليت عالبيارة/ والعمارة/ داعسة عدالية العنب/ يابعل ياقبطان/ صوت الحَرِب غَلَب".
قد نضيع بين صوت "بعل" وأمه وصوت الشاعرة (هل هذا مقصود؟) لا يهم أن نعرف؛ طالما أننا سنبقى مدفوعين بدفق سردي غني ومكثف كانت ملامحه قد ظهرت في باكورتها الأولى ليتضح أكثر في هذا العمل. من ناحية أخرى قد تبدو المجموعة للبعض عصية على الفهم، وخصوصاً للقارئ غير الفلسطيني أو غير الملم بقصص الميثولوجيا والدين في بلاد الشام. لكن يبدو أن عزايزة دخلت هذه المنطقة الصعبة الشائكة وهي تدرك ذلك جيداً، إلا أنها خرجت منها بإله جريح، استطعنا أن نتحسسه ونلامس جراحه العميقة، وبسابق إصرار أو من حيث لا تدري كتبت الشاعرة نصاً سياسياً، ومع أن السياسي مقلقٌ بعلاقته مع الشعر وتأثيره بجودته خاصة في الموضوع الفلسطيني، إلا أن هذا لم يوقعها في فخ الشعارات والكليشيهات، الأمر الذي جعل من نصها شمولياً وجودياً أبعد من سؤال السياسة المعاصر، كأنها أرادت أن تقول إن قصتها مع الاحتلال بدأت قبل عصرنا هذا بكثير.
"اللد تأكلها النار/ وأنا تأكلني صفحات التاريخ/ وتهوي عليّ الجغرافيا بخرائط لا تنتهي/ وأبجدية الحاضر تمد لسانها في وجهي... كإله مكسور». هكذا ينهي "بعل" قصته في نصوص عزايزة، ليطلب العودة إلى رحم أمه نطفةً "لا تعرف حرباً ولا وعداً/ ولا رمحاً ولا عرشاً".