المساحة ليست بسيطة أبداً. إنّها تمثل 8% من مساحة الكوكب الإجمالية. أما الثروة التي تكتنفها، فهي خُمس احتياطات حقول النفط والغاز. تجارياً. لا تحصى الفوائد التي تدرها الطرقات المختصرة، التي يُمكن استغلالها لتوفير آلاف الكيلومترات والعديد من الوسائط.

انطلاقاً من هذه المعطيات، ومن إرهاصات كثيرة أخرى تبررها الحسابات الجيوسياسية، يُمكن فهم الصراع القائم على منطقة القطب الشمالي. خمسة بلدان تطمح لإثبات حقوق مباشرة عبر ارتباط أراضيها بجرف قاري، أو بممرّات قائمة هناك. جميعها يريد حصة من قالب الحلوى الأبيض، الذي قد لا يجده كثيرون شهياً بمناخه وبيئته، غير أن مقوّماته تتخطّى كونه ملعباً لدببة قطبية يهدّدها الانقراض.
يُمكن الجزم حالياً، بأن روسيا هي اللاعب الأكبر على هذا الصعيد. فهي دورياً، تؤكد أحقيتها بالسيطرة على جزء كبير من المنطقة، وصولاً إلى نقطتها الارتكازية، ونقطة ارتكاز الكوكب برمّته، القطب. ظهر مشوارها الطموح إلى العلن عبر بعثتها العلمية/ العسكرية الشهيرة قبل سبعة أعوام، حين زُرع علم الفدرالية في القطب، مؤكّداً من جديد، عودة روسيا.

كانت واشنطن تدير معركتها بالوكالة، لكنها تستعد على ما يبدو لتعزيز دورها المباشر

لم تكن الدعاية الذكية أبداً من مهارات الشرق، ولا من استراتيجياته الترويجية، لكن بمجرد أن تدمج الإنجاز مع الروح القومية، تحصل على خلطة يُمكن استغلالها في أي منبر. المثال الأبرز عن هذا الوضع تحقق أخيراً مع إنجاز «بعثة الشباب الروسي السابعة»، وهي مجموعة من الشابات (دون 16 عاماً) يرافقهن مستكشفان مختصان بالقطب، مشوارها من الأراضي الروسية إلى القطب الشمالي، بعد قطع مسافة 180 كيلومترا. وفي نهاية المشوار صدر بيان صحافي يقول: «لقد زرعت البعثة علماً روسياً على قمة العالم!».
الأجواء المحيطة بالحدث روجت، عبر الإعلام القومي، أن الشابات الروسيات حققن هذا الإنجاز، فيما تخلّف الرياضيون المحترفون من الولايات المتحدة والنروج.
يُمكن تكبير هذه الصورة، وعكسها على المصالح الأكبر؛ أي تلك المتعلقة بالموارد الطبيعية، والسيطرة على المساحات.
«يجب حماية مرافق إنتاج الغاز والنفط الروسية، ومنصات التحميل والأنابيب في المحيط المتجمد الشمالي، من الإرهابيين ومن المخاطر المحتملة الأخرى». هكذا جزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصالح بلاده الكامنة في الشمال.
هي تلك المخاطر الأخرى التي تركز عليها موسكو. وبسببها ستعود الدوريات العسكرية لتجوب حدود الجرف البحري مع بداية تموز المقبل، وذلك للمرة الأولى منذ منتصف القرن الماضي، أيام أوج النفوذ السوفياتي.
صحيح أن جميع الطامعين بكعكة القطب الشمالي يبثون إشارات إيجابية حول ضرورة الحفاظ على الأمن والسلام في هذه المنطقة، لكن تطور الأحداث يُظهر بوضوح أن الصراع على موارد المنطقة متجه صوب التصعيد. كلام نائب رئيس الوزراء الروسي، ديميتري روغوزين، في عام 2012 كان كافياً لشرح حساسية الموقف: مع حلول منتصف القرن الواحد العشرين سيخرج الصراع بين البلدان حول الطاقة عن السكة الحضارية. يشير هذا السياسي المخضرم، الذي عمل سابقاً (مبعوثاً لدى حلف شمالي الأطلسي) إلى أنه خلال أربعين عاماً قد تخسر روسيا سيادتها إذا فشلت في تحديد مصالحها القومية في القطب.
روسيا اليوم على تماس مباشر مع غريمتها أيام الحرب الباردة، النروج في هذا الصراع. الفارق هو أن الكرملين يخصص الميزانيات الضخمة، وينفذ خطوات عملية يضمن فيها سيطرة مقبلة على أي حقوق قد تتعرض للقضم.
يؤكد الكاتب، تريفور موس، في ورقة بحثية نشرها مركز (أبحاث السياسات الاستراتيجية العالمية) في وقت سابق هذا العام، أنّ روسيا هي البلد الذي يقوم بالجهد الأكبر على مستوى السيطرة في القارة: حالياً تجرى عملية إعادة تجهيز الأسطول في بحر الشمال؛ من المتوقع تغذيته بسفينة هجومية برمائية صناعة فرنسية قريباً. وبست كاسرات جليد بقيمة 1،1 مليار دولار؛ كل من هذه الآليات طولها 170 متراً، وتُعدّ الأكبر في العالم، كما سيُجهز الأسطول بحاملة طائرات جديدة.
عموماً، طوّر كل من البلدان الأعضاء في مجلس القطب استراتيجيات لإدارة اللعبة. كندا مثلاً، لم تثبت علمياً حتى الآن أن لها حقاً قائماً. طموحها بإنشاء قاعدة عسكرية تكبحه الميزانيات المتقشفة. هكذا تقتصر لعبتها حتى الآن على تسيير الدوريات، وتنظيم الرحلات الاستطلاعية من الجو والبحر، مع العلم بأنّ خط الدفاع الأول الذي تتمتع به هنا، هو فرقة الخيالة المشكلة من السكان الأصليين (الإنويه ـ أو الإسكيمو كما اصطُلح خطأً على تسميتهم). وحتى هذا النشاط يبدو متواضعاً، حيث يستخدم هؤلاء الخيالة بنادق، عمرها من عمر الحرب العالمية الثانية، وذخيرتها لا تتوافق مع المعايير الكندية الوطنية(!)
واشنطن من جهتها تدير المعركة بالوكالة، عبر بلدان الناتو الأعضاء في المجلس. يعلل المراقبون هذا الوضع بأن الأميركيين كانوا مشغولين بإدارة مشاريع أخرى، من الغاز الصخري محلياً، إلى استغلال مكامن الموارد في البلدان الأخرى، لكنها تستعد، على ما يبدو، لتعزيز دورها المباشر عبر نشاط ملحوظ في ولايتها الشهيرة في قصة الصراع التاريخي بين الشرق والغرب، آلاسكا.
مع دمج جميع هذه المعطيات، وصوغ بعض التوقعات الطموحة، يُمكن القول إن القطب لن يحدّد فقط مصير مناخ العالم، بل أيضاً مصير اقتصاده. ولا أحد يستبعد أبداً أن تكون الشرارة الأولى لحرب كبيرة جديدة في المساحات البيضاء التي تشكل القطب، وليس في وحول الشرق الأوسط.




أطماع الدول في المحيط

■ كندا
تطوّر كندا مجموعة من القواعد العسكرية عند ساحلها المطل على المنطقة القطبية. صاغت مشروعاً بقيمة 2،25 مليار دولار، لبناء أسطول جديد من سفن الجليد بهدف تسيير الدوريات والرحلات الاستطلاعية، غير أنه لم يُقرّ حتى الآن.

■ الدانمارك
كجزء من استراتيجيته الدفاعية في منطقة القطب، أطلق الجيش الدانماركي قيادته القطبية في عام 2012، وضمنها قوة عمليات خاصة تجوب الشمال الشرقي من غرينلاند مستخدمة الزلاجات.

■ فنلندا
يتمتع الجيش الفنلندي بوحدة مختصة بالحروب القطبية، أو في المناخات الجليدية. كذلك هناك وحدة مختصة تابعة لسلاح الجو، قاعدتها في منطقة روفانيامي التي تقع فيها قرية بابا نويل الاستراتيجية.

■ آيسلندا
ليس لهذا البلد الصغير جيش يحقق له الفتوحات القطبية أو غيرها، فهو يعتمد على شركائه في حلف شمالي الأطلسي لتأمين الحماية. وتنفّذ وحدات من القوى الأطلسية دوريات في الأجواء الآيسلندية.

■ النروج
في عام 2012 بدأت الكتيبة الثانية في الجيش النروجي خطة للتحوّل إلى كتيبة قطبية مختصة عالية الدينامية. ينظم سلام البحرية دوريات دائمة للفقرقاطات للمحيط المتجمد، غير أن النقطة النروجية الأبعد إلى الشمال مصنفة «خالية من السلاح».

■ روسيا
انتشرت في منطقة مورمانسك أوبلاست، أخيراً، أول قوة من الجيش الروسي مختصة بحروب القطب. يتمتع الأسطول الشمالي بحاملة الطائرات الروسية الوحيدة. كذلك تجوب المنطقة مدمرات توبوليف، وتتحضر البلاد لتدشين سفن كاسرة للجليد تعمل على الطاقة النووية.

■ السويد
يتمتع الجيش السويدي بوحدة قتالية مختصة بالمعارك القطبية والقتال في المناخات الصعبة. كذلك تدير قواته الجوية وحدة خاصة مشكّلة من المغاوير، تعمل من القاعدة في منطقة لوليا.

■ الولايات المتّحدة
تدير وحدة الجيش الأميركي في آلاسكا قاعدتين جويتين، إضافة إلى إدارتها برنامج الطائرة المقاتلة الأولى لديه F-22 Raptor. وتُنفق الحكومة 750 مليون دولار لتوسيع برنامجها الدفاعي هناك. وتُنظم سنوياً مناورات قتالية. ولكن هناك سفينة بحثية أميركية وحيدة هناك.