طُبعت المتابعة العربية لتطورات الموقف التركي حيال أحداث دول المشرق العربي بكثير من التنميط الذي يجد جذوره في خفايا الذاكرة الجماعية المثقلة بصور العلاقات الشائكة مع أول جيران الشمال، الجمهورية التركية الحديثة المقامة على أنقاض إمبراطورية ولى زمانها، وذلك في وقت تتعاطى فيه أنقرة مع المتغيرات بدفع قوي تمتلك سياستها الخارجية الأدوات اللازمة لفرضه، بعيداً عن المخيال العثماني، إن وجد.


عربياً، قد تضفي مصطلحات تلصق بها صفة «العثمانية» إثارة ضمن أي مقاربة تتناول السياسة الخارجية التركية، إلا أن ذلك لا يساهم في متابعة تطورات المواقف التركية، ذلك أن الحديث يجري فعلياً عن عالمين مختلفين، ولأن تركيا الحديثة بنتها فعلياً قوى قومية بعيدة عن المسمى تصوراً عثمانياً، برغم ما ظل حياً من موروثاته. ليس في ذلك دفاع عن سياسات «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، الذي زاد تعقيدات المشهد الخارجي لتركيا، بل محاولة تأطير مستجدة وضرورية.
راهناً، أعادت مسألة دخول تركيا ضمن «التحالف الدولي» طرح أسئلة مفصلية بشأن سياستها الخارجية، وخصوصاً أن مجمل المشهد، الذي طغت عليه مناوءة حكام أنقرة للريادة السعودية الإقليمية للتحالف، أكد أن عضو حلف الشمال الأطلسي (منذ منتصف القرن الماضي) يمتلك أدوات تسمح له بالتأثير على أي مشروع غربي مقبل وإدخال تعديلات تناسبه.
اللافت أن مسألة الدخول في «التحالف الدولي» ترافقت، بشكل أساس، مع دور تركي مريب في الشمال السوري أعاد إلى الواجهة وهج الصراع بين أنقرة والقوى الكردية. وضمن المنظور التركي، فإن «الإرهاب» يشمل القوى الكردية التي صارعت سطوة أنقرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأبرزها «حزب العمال الكردستاني». رؤى حاولت أنقرة تثبيتها في صلب سياساتها الخارجية.

قد تكون السياسة التركية حذرة حيال الإفرازات الكردية الجديدة

جرت ترجمة الصراع التركي ـ الكردي في الشمال السوري ضمن معركة «داعش» للسيطرة على منطقة عين العرب الكردية (كوباني)، في مشهد برزوكأنه رسالة تركية بأن التداعيات الميدانية لضربات «التحالف» لن تترجم بإقامة منطقة كردية عند حدودها. حتى أن البعض ذهب إلى القول بأن ما تريده أنقرة بشكل أساس من مطلب المنطقة الآمنة، أو العازلة، في الشمال السوري، هو تمكنها على المدى القريب من نقل مجموعات كبيرة من اللاجئين السوريين (يصل العدد إلى نحو 1,5 مليون) إلى داخل سوري تختاره، بطريقة تؤثر على التركيبة الديموغرافية وتقلل من الهيمنة الكردية في تلك المناطق.
وقد يكون خلف التبني السياسي التركي، القديم، لإقليم كردستان في العراق، برئاسة مسعود البرزاني، أهداف تتمثل بتقويته على حساب نفوذ بقية القوى الكردية، وإلا فكيف تسمح تركيا مؤخراً، مثلاً، بمد أنبوب نفط خاص بالإقليم ضمن أراضيها، بشكل يؤمن لسلطاته وفرة مادية لم تؤمنها الظروف السابقة. الخطير بالنسبة لأنقرة يكمن في ما يبدو في تبدلات باتت تشهدها توجهات القوى الكردية اليوم، تماشياً مع المتغيرات الإقليمية. وبالتالي فإن السياسة التركية قد تكون حذرة حيال الإفرازات الكردية الجديدة الناشئة على أنقاض قوى شكلت توجهاتها سابقاً في أعقاب فشل مشاريع الزعيم الراحل مصطفى البرزاني.
عموماً، من غير المعروف كيف سيؤثر التلاعب التركي بالمشهد الكردي بين شمال العراق وشمال سوريا على القلب التاريخي لكردستان، ديار بكر في تركيا، وخصوصاً بعد تفكك علاقة التعاون الثلاثية الأبعاد في الشأن الكردي بين «أصدقاء» الماضي (تركيا وسوريا وإيران) لكن الأكيد أن سياسات أنقرة أعادت طرح المسألة الكردية في قلب شرق أوسط يزداد اضطراباً.
على صعيد آخر، فإن البلاد، التي وضعت نفسها تحت غطاء السياسات الغربية منذ منتصف القرن الماضي، تنازعتها في ظل حكم «العدالة والتنمية» بشكل عام رغبتان: بين الانفتاح على جوارها المشرقي وعدم الالتحاق المطلق بسياسات القوى الغربية النافذة. ويقول سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى أنقرة، مارك بييريني، إن تركيا في ظل حكم «العدالة والتنمية»، «لم ترغب على الإطلاق في أن تظهر منحازة إلى السياسات الغربية»، مضيفاً، في حديث إلى موقع «دايلي بيست» الأميركي، أن «أنقرة غير مستعدة للظهور اليوم كأنها عضو فاعل في حرب ضد ما تعده فعلياً حركة انتفاضة سنية في سوريا».
يفتح حديث السفير الأوروبي باباً للنقاش بشأن إن كانت تركيا تستطيع تحويل مناوءاتها إلى رفض تام لأي مشروع غربي مقبل على الشرق الأوسط، في وقت أطر فيه كلام أردوغان أخيراً حراك بلاده في ظل العباءة الغربية: «سنجري محادثات مع المؤسسات المعنية ... وسنكون بالتأكيد في المكان الذي يجب أن نكون فيه ... لا يمكننا البقاء خارج هذا الأمر».
إلى حد بعيد، فإن حقيقة الموقف التركي يوضحها الصراع المبطن بين محاولة أنقرة تعزيز نفوذها الإقليمي في مقابل النفوذ السعودي ـ الخليجي؛ صراع يتنقل بسلاسة إلى جانب الحضور الغربي في قلب المشرق العربي، فيما يبدو أن منتهاه، يكمن في مخيلة هؤلاء، بإطباق النفوذ على دمشق، المثقلة بدلالاتها التاريخية، كما على مدينة حلب، عروة طرق الشمال الوثقى.
وينسحب هذا الصراع إلى داخل البلاد العربية بسبب ما يتأكد عن قيادة تركيا، برفقة دور قطري محدود، لمشروع الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين، وتصديرهما.
عموماً، قبل أيام ذكرنا تقرير إخباري بما أعلنه رئيس الوزراء التركي الحالي، أحمد داود أوغلو، قبل أربعة أعوام، عندما قال: «لا تسقط ورقة شجر في الشرق الأوسط من دون علمنا»، ليكون السؤال الأهم اليوم: هل يشرع الدخول في التحالف الأبواب أمام أحلام حكام أنقرة لإمبراطوريتهم الجديدة؟