ليس كتاب غسان شربل «في خيمة القذافي ـ رفاق العقيد يكشفون خفايا عهده» (الريس) مجموعة حوارات صحافية فحسب، ولا هو كتاب توثيق لأربعة عقود من تاريخ ليبيا تحت حكم الفرد معمر القذافي. إنه شهادات ووقائع يرويها خمسة من قادة الثورة التي أطاحت النظام الملكي الليبي عام 1969 بزعامة معمر القذافي الذي تحول في سنوات إلى الحاكم الأوحد حتى مقتله عام 2011. خمسة شهود ومسؤولين هم عبد السلام جلود، عبد المنعم الهوني، عبد الرحمن شلقم، علي عبد السلام التريكي، نوري المسماري حاورهم غسان شربل كلّاً على حدة في لندن وباريس وغيرهما من عواصم العالم، ووضع الحوارات بحرفيتها في كتاب يجمع بين الصحافة والتاريخ ويكشف عن شغف المؤلف اللامحدود بالسياسة والأمن.


في حواراته مع الرجال الخمسة، اعتمد شربل أسلوب «الدردشة» كما يقول، مستنطقاً ومستدرجاً إياهم. وكي تكتمل الصورة أمام القارئ، كرر بعض الأسئلة على محاوريه، فأجمعوا كلهم على بعض الأمور، وأخفى بعضهم أشياء وصرّح بأمور أخرى، وتكتّم بعضهم... فإذا بالحوارات مجتمعة تكشف ما خبأه البعض وتجلي الأمور. مثال على ذلك: شهادة المسماري بأنّ عبد السلام جلود أشرف على تصفية مئات المعتقلين الجامعيين المعارضين للقذافي! والنتيجة أنّ الكل غسل يديه من الرجل وأعماله بعد مقتله. وكلهم عانى تفرد القذافي بالقرار وإبعادهم وتهديدهم. وحده الهوني قدم اعتذاره قائلاً: «لقد خذلنا الشعب الليبي، وكان يجب أن نفعل شيئاً قبل خروجنا منذ منتصف السبعينيات».
من الأسئلة التي تكرّرت تلك التي تتعلق بشخصية القذافي وطريقة تعامله مع رفاقه. كان الإجماع أنه في البداية كان بسيطاً في مأكله ومسكنه وتصرفاته، محباً للمطالعة، متحمساً للعروبة والإسلام. وفي منتصف السبعينيات، بدا شخصاً آخر. تورعت الأنا عنده. وراح يقول إنّ ليبيا لا تتسع لقدراته. كان يحب القراءة ومولعاً بالثقافة والأدب وتأثر بالمتنبي وفخره. اتبع سياسة الإقصاء والتصفية، واعتمد سياسة تجهيل الشعب الليبي كي لا يثور عليه! في علاقاته مع رؤساء الدول، كان يخاف الأميركيين والروس و«يشتري» الأوروبيين، وأحب برلسكوني لأنه قبّل يديه على الملأ (راجع فصل «صور من التاريخ»). كان يحتقر الرؤساء الأفارقة، فقال عن أحدهم «أعطوا العبد فلوساً واصرفوه». حاول قتل الملك عبد الله والملك حسين، وخاف من الرئيس حافظ الأسد. وكان هو وصدام حسين كل منهما ديكتاتوراً يكره الآخر ويحتضن معارضيه. (انظر كتاب «صدام حسين مرّ من هنا» للمؤلف نفسه). كان يخصص مرتبات لمبارك وبن علي، ويخاطب الرئيس بشار الأسد والملك محمد السادس بقوله: «يا ابنيّ» وكانا يغتاظان لذلك. وفي خطاب شهير له في الأمم المتحدة كان مخصَّصاً له عشر دقائق، تكلم ساعة ونصف الساعة. وطالب الولايات المتحدة بإعادة التحقيق بمقتل جون كينيدي وكان «مسخرة» الحاضرين.
ومن غرائبه ومحاولات لفت الأنظار إليه، نصبه الخيمة التي كان يقول إنّه يفتخر بها وبأصله البدوي في موسكو وكادت تُفشل الزيارة. كما نصبها في باريس أيضاً. وفي نيويورك، كادت الشرطة تعتقل ابنه معتصم بسببها! في السياسة الخارجية، كان يتدخل في كل مكان وأنفق المليارات على شراء الإرهابيين، وتفجير طائرة «لوكربي» الأميركية مثال على ذلك. يقال بأنّها كانت رداً على قصف الأميركان باب العزيزية، ودفعت ثمنه ليبيا عزلة دولية طويلة ومليارات الدولارات. كما كان يدعم إيران الخميني بالمال والسلاح والصواريخ لضرب صدام حسين. وفي ليبيا، درّب فدائيين وسلّحهم وأرسلهم إلى سوريا ولبنان. وشارك في إسقاط «اتفاق 17 أيار» في لبنان. وقال له الرئيس حينها أمين الجميّل: «أقفلوا دكاكينكم في لبنان». وفي الأمن حدّث ولا حرج: كان يشتري الولاءات بالدولارات والتخوين والقتل والتفجير. لائحة الاغتيالات في بلاده طويلة، وكان يسمي المعارضين «الكلاب الضالة». ويذكر أنّ مجموعة اغتالت صاحب مجلة «الحوادث» اللبنانية سليم اللوزي الذي وضع غلافاً للمجلة بعنوان «العقدة والعقيد» ليكون عبرة لمن يهاجم القذافي! وفي اختفاء الإمام موسى الصدر، هناك ثلاثة أو أربعة سيناريوات رواها المحاورون، أحدها يقول إن القذافي غضب على الإمام لأنه قال له: «أنت لا تفهم شيئاً في الإسلام». أما عن اغتيال القذافي من دون محاكمة، فهل هو رد فعل عفويً حقاً؟ المؤكد أنه جاء لمصلحة شخصيات وحكومات كان العقيد سيفضحها. ملاحظة أخيرة: ليت المؤلف حاول أن يعرف المزيد عن الأموال التي أغدقها الدكتاتور القتيل على أرباب الصحافة والتلفزيون والنشر في لبنان وسواه.