أتذكر في خضم الأحداث الثورية في مصر، كنت أميل دوماً إلى فكرة التصعيد على حساب التسليح التي راجت بين شباب الثورة المصرية رداً على توحّش العسكر والداخلية وتحديداً في فترات محمد محمود وأحداث مجلس الوزراء والعباسية. الفارق بين التصعيد والتسليح كبير من حيث مخزون الردع/ التدمير في المواجهات، فالتصعيد لا يشترط أن يكون بالسلاح المركب «المعقد». قد يكون التصعيد وسيلة لتعطيل مخزون الردع/ التدمير الخاص بسلاح الطرف الآخر كالبندقية وقنابل الغاز، ما يفقده أفضليّته الميدانية. والمثال على ذلك كان جلياً في الثورة من خلال «الخل» والمشروبات الغازية وصولاً إلى الكمامات والدروع و«شبك» الحماية على الأعين لتعطيل فاعلية صائدي الأعين من ضباط الداخلية، في حين أنّ التسليح هو مواجهة السلاح بالسلاح، وهو ما قد لا يتقبّله البعض لأنه يرادف بين القتلة والوسائل.


إن تلك الفروقات التي قد تبدو غير متكافئة بالنسبة إلى معايير القياس المادي الرادع، قد رجّحت كفة الثوار في مواجهة الدولة لفترة كافية لم تنته بإنتصار الثوار ميدانياً، لكنّها عرت هزيمة الدولة ثورياً. والمواجهة الميدانية لا تحسمها أبداً قوة السلاح. وهذا ما يشهد عليه التاريخ الإنساني. مدينة ستالينغراد التي طال الحصار النازي لها، إلى درجة أن بدأ سكانها يأكلون جيف موتاهم، هزمت بأبسط السبل عنجهية هتلر وقوته. كذلك كانت المقاومة الجزائرية في وجه الإستعمار، والثورة اللاتينية، وحرب فيتنام وهزيمة الأميركي، وحرب تموز الإسرائيلية على لبنان، وصولاً إلى النموذج الحضاري الأهم في تاريخنا الحديث: الإنتفاضة وغزة الأبية.
غزة التي يقدم الإعلام مقاومتها على أنّها مقاومة «صفيح» لا تسمن ولا تغني من جوع، متجاهلاً تاريخاً إنسانياً قال ويقول دوماً: «ما إنهزم من قال لا»، أو كما وصفها مهدي عامل «لم تهزم ما دمت مقاوماً». القوة لا تقاس بمخزونها الرادع/ التدميري، أي بحجم ما تحدثه من تدمير/ تعطيل، فالبندقية في يد المحتل هي ذاتها في يد المقاوم، بل قد تحرمه منها الإتفاقيات الدولية وسياسات «الممكن والمتاح»، فما الفارق إذن؟
القوة ليست في البندقية أو الحجر، بل في القيمة التي يمثلها كل منهما، وهو ما يعرف في علوم الإستراتيجيا والحرب «المخزون المعنوي/ القيمي»، تلك القيمة التي تدافع عنها البندقية ويذود عنها الحجر والصفيح من عدل وحرية وحق وغيرها من القيم التي لا تقاس بمادة ولا برقم، بل يدركها الإنسان بحسه الجمالي القيمي، وعلاقتها مع الظلم والإحتلال والقتل علاقة محسومة. من هنا كانت العقلية المقاومة متقدمة أخلاقياً وفكرياً وقيمياً عن المحتل والغاصب، ما شكّل لها هامش إبداع أكبر، ولنا في عز الدين الخطابي وفيتنام نماذج ذات دلالة توارثها أدب المقاومة. إلا أنّ أدل دليل على هزيمة الدولة والاحتلال أمام المقاومة كانت صواريخ المقاومة في غزة الأبية وأنفاقها. تلك الصواريخ والأنفاق التي أبقت جبين «أفقر بقاع الأرض» و«أكثرها نكبة» بالحصار الصهيوني (والعربي) عالياً غير مختزل في لقمة العيش والمادة والحاجة والفاقة. المقاومة لغزة كما الطعام والشراب والكهرباء، إحتياج لا مقايضة فيه، فالحرية في غزة فعل يومي، على عكس مدن عربية كثيرة.
إنّ صواريخ المقاومة في غزة على تعدد تياراتها من يمين ويسار، تكشف للأذهان العربية أنّ امتلاك «أوراق اللعبة» (99.9% من أوراق اللعبة في يد أميركا: السادات) لا يعني إمتلاك المصائر، إلا لمن لا مصير له. وهنا مربط الفرس، فغزة لا تقاوم ضد إحتلال فقط، لكنها تلقي بصواريخها (الكورنيت وغيرها) ـــ مهما كان تركيبها بسيطاً بدائياً ــ في الذهن العربي عموماً، وتعيد إلى الأذهان أنّ الفجيعة العربية ليست في الإحتلال، ولكن في الوكالة عنه والإنبطاح له بإسم «الممكن والمتاح» السياسي، تلك هي عين الهزيمة. بعد إختراق وأسرلة المكان والوعي الفلسطيني في الضفة والمنافي، بات على المقاومة الفلسطينية ــ وتحديداً الغزية ــ مهمة لا تقل ثقلاً. إنّها مهمة تحرّر مضاعف في ظل خفة الوطن في عقول النخب السياسية الفلسطينية: تحرير الوعي الفلسطيني الذي بات يصف المقاومة إرهاباً لأنّ فلسطين بالنسبة إليه ليست مكانه ولا مصيره، ليقتل الشهيد في بلادنا مرتين، والنكبة نكبتين.
أتذكّر فيلماً أميركياً من إنتاج عام 2001 بعنوان «القلعة الأخيرة» من بطولة المخضرم روبرت ردفورد وتأليف ديفيد سكاربا وإخراج المخرج (الإسرائيلي) رود لوري يحكي إنتفاضة يقوم بها سجناء سجن عسكري عُرف مأموره بالعنف والقتل، مستخدمين أبسط الوسائل (أدوات الطعام والحجارة) للسيطرة على السجن. لكنّ هذا الفيلم لا يعد شيئاً أمام المشهد الملحمي للشاب المصري يقف بصدره أمام مدرعة الأمن المركزي في 28 يناير المعروف بـ «جمعة الغضب». كذلك هي غزة، تقف أمامنا منتصبة كاللغة في زمن الخرس تنشد كلمات محمود درويش بحروف من ملح: «من هنا تكون غزة تجارة خاسرة للسماسرة ومن هنا تكون كنزاً معنوياً وأخلاقياً لا يقدر لكل العرب. ومن جمال غزة أنّ أصواتنا لا تصل إليها، لا شيء يشغلها، لا شيء يدير قبضتها عن وجه العدو، لا أشكال الحكم في الدولة الفلسطينية التي سننشئها على الجانب الشرقي من القمر، أو على الجانب الغربي من المريخ حين يتم إكتشافه. إنها منكبة على الرفض».

* طبيب وكاتب فلسطيني