منذ السطور الأولى في «الفاكهة المحرّمة: أخلاقيات الإنسانية» (دار الجمل ـــ تعريب ضياء السومري) الذي صدر بالإنكليزية عام 1988، ينسف بول كيرتز فكرة انهيار الأخلاق في غياب سطوة الدين. يذهب بأسئلته المتشككة أبعد من ذلك، حين يرى أن الاستقلال الذاتي للبشر خارج التعاليم السماوية، قد يساعد البشرية في تطوير قيمٍ أخلاقية عقلانية مبنية على تثمين الطبيعة والوعي لمركزية الآداب الأخلاقية العامة، وحينها «سيكون من الممكن لنا أن نخلق مجتمعاً علمانياً موثوقاً به».

الحياة خارج جنة عدن، قد تكون ثرية بالفرص، وبذلك يصبح لها معنى أعمق. ليس بالضرورة أن يفتقد غير المتدينين للقيم الأخلاقية والمبادئ، وأنّه من دون الإخلاص للوصايا الإلهية الموحية، سيتملكنا الفساد والخطيئة. يعرض «أبو الإنسانية العلمانية» تاريخ أعمال الشر ليجد أنّ أروقة التاريخ مليئة بشناعات اقترفها المؤمنون والعلمانيون على حد سواء منذ قابيل وهابيل، إلى كاليغولا وهتلر وستالين.

هكذا يبني الفيلسوف الأميركي نظريته للأخلاق على أساس النظرية العلمية للطبيعة والطبيعة البشرية التي تقوم على المعرفة العقلانية للخير والشر، والخطأ والصواب. وتالياً، فالزواج القسري بين الدين والأخلاق، أنتج بنى متسلطة ومواثيق أخلاقية مقدّسة تخطتها عملياً العلوم الحديثة. دساتير تعارض الاستقلالية الجنسية وحرية المرأة والتسامح بشأن أنماط الحياة المختلفة. لخلخلة هذه الثوابت، يدعو كيرتز إلى تجاوز هذه الأنظمة الأخلاقية المتصلبة التي تستند إلى التأمل العليائي والصورة المشعوذة للواقع، فـ«ليس ثمة من آلهة ستنقذنا، علينا أن ننقذ أنفسنا». هكذا يسعى إلى تفنيد أخطاء الأسلاف بالتخلي عن الأوهام الأسطورية، وتغيير الأخلاقية العمياء بأخرى أساسها العقل. ويستدرك بأنه لا يقصد الإدانة الشاملة لأنظمة السلوك الأخلاقية الدينية، فهي ألهمت الولاء للآخرين والأخوة الإنسانية، لكن الطاعة العمياء للوصايا المقدّسة، قادت إلى الحروب والنزاعات. الإمبراطورية الدينية بوصاياها الصارمة، لم تحدّ من بهيمية الإنسان، لكنّ العدمية ليست أيضاً البديل الوحيد للاهوتية؛ إذ قد تؤدي إلى فوضى كبرى. أين المفرّ إذاً؟ يجيب كيرتز بضرورة الإقرار بأن السبيل العقلاني الإنساني للأخلاق هو ما ينبغي الدفاع عنه «علم الأخلاق الإنساني وحده يمكن أن يمنح أرضية أمينة للأخلاق اللائقة والشعور بالمسؤولية، ويمكنه أن يكون ملهماً لمؤسسة ثابتة تعمل من أجل حقوق الإنسان ورفاهيته».
من ضفة أخرى، يلتفت هذا الأكاديمي الأميركي إلى تشخيص فضائل أخلاقية أخرى، أقصاها فلاسفة الأخلاق، لمصلحة العمل وحده، فالحياة من دون لذة، ليست فضيلة إيجابية كاملة، ذلك أنّ «العجز في تذوّق متع الحياة مرض نفسي، ويمكن أن يكون مصدراً لمرضٍ عصبي وبؤس»، فشجب الكهنوتيين للجسد والمتعة الإيروتيكية، يقع في باب «مرض الروح». في المقابل، إن الانزلاق الكامل نحو المتع الحياتية يلغي التنظيم الذاتي للفرد ليتحوّل إلى فريسة لرغباته، وهنا تأتي فكرة المسؤولية تجاه الذات أولاً، ونحو الآخرين ثانياً، للوصول إلى المجتمع العالمي بتفاعل القيم الأخلاقية التي تطيح «جيوب العزلة»، ما يجعل التعدد الإثني ثقافة عالمية، وليس عبئاً أخلاقياً. وهذا ما سيفضي لاحقاً إلى أسئلة أكثر حيوية، في ما يخص «الحق بالحرية الشخصية» لجهة حرية الحركة والإقامة، وحرية الفكر والوعي، والخصوصية، والحرية السلوكية الأخلاقية التي تتيح للأفراد أن يشبعوا تنوعهم في القيم والأفكار الأخلاقية والقناعات الذاتية. كذلك تشغله انتهاكات حقوق الإنسان والحروب وقمع الأقليات، والصراعات الأثنية، والمذابح الكبرى بين جماعات عرقية ودينية وقبلية.
وفي باب «الخصوصية»، يستعرض الانتهاك الديني والرأي العام لمبدأ الحق في الخصوصية، وضرورة الفرز بين الخاص والعام، مطالباً الإعلام بتحديد المعايير الصحافية العليا في اختراق خصوصيات الأفراد، بالإضافة إلى حرية الفرد بالتحكم في جسده بذريعة المثل والأعراف والتحريم. ذلك أنّ السياسات الاجتماعية ليست محقة ومتماسكة على الدوام، وإلا فما تفسير أن تمنع الدولة الماريجوانا والكوكايين والهيروين، فيما لا تمنع الكحول والتبغ؟ وهل من حق الدولة «الدخول إلى غرف نوم مواطنيها، لمعرفة ميولهم الجنسية؟». هناك أيضاً، تدخّل الدولة في الرقابة على التعبير في الكتابة والفن، ولكن ـــ يتساءل مستغرباً ـــ من يمنح الرأي العام أن يعترض على روايات مثل «لوليتا»، و«مدام بوفاري»، فيما يقف تمثال ديفيد لمايكل أنجلو عارياً في فلورنسا؟