«طبعاً ممكن، بس الموضوع بيكلّف كتير». بهذه الكلمات يجيب أحمد عن سؤالنا حول إمكانية تقديم خدماته «المسلّحة» لنا في سبيل الحصول على قطعة أثريةٍ قيمة، نزعمُ امتلاكنا معلوماتٍ دقيقة حول مكان وجودها في أحد المواقع الأثرية في ريف إدلب.

«لا شأن لقيمة القطعة بتحديد كلفة نقلها» يقول أحمد خلال دردشة كتابية عبر Skype، فـ «المخاطرة واحدة» أيّاً كان سعرُ القطعة. «نحن نقبض ثمن العملية. وربما يكون ثمن روح أحدنا». ثم يكتب بعد دقيقتين «عموماً لو ما كانت غالية ما كنتو سألتو عنها. كل القطع غالية». ويرفق جملته بـ «غمزة» افتراضيّة. يرفض الشاب الإجابة عن أسئلتنا حول الكثير من التفاصيل. لا شأن لنا بعدد أفراد مجموعته أو طريقة عملهم. كما أنّ تحديد قيمة «الأجر» الذي سيطلبه منّا يتوقف على خياراتنا. يُخيرنا بين طريقةٍ من اثنتين: إما تزويده بمعلومات دقيقة حول مكان القطعة ومواصفاتها، مع تفضيله وجود صورة لها، أو إرسال فريقٍ من قِبلنا تحت حماية أحمد الذي ستقتصر جهوده ومجموعته على تأمين وصول فريقنا إلى الموقع، وعودته بعد إنجاز المهمة. وأمام إكثارنا من طرح الأسئلة، يرد الشاب بطريقة حاسمة: «شكلكون عم تتسلّوا. ما عندي وقت»، ثم يختفي. يبدو عبدو (اسم مستعار) أكثر تفاعلاً مع أسئلتنا. الشاب (دلّنا على أحمد في الأساس) يُحذرنا من احتمال التعرض لعملية «نصب». لأنّ أحمد «ليس صاحب قرار» وفقاً لتأكيدات عبدو.

يشرح الأخير: «هو مجرد عضو في مجموعة مسلحة تُقدم هذا النوع من الخدمات، إضافة إلى خدماتٍ أخرى. القرار ليس له». سبق لـ «عبدو» أن عمل في المجموعة ذاتها، قبل أن يقرّر ترك هذه الأعمال، إثر تعرضه لإصابة بطلقٍ ناري في كتفه منتصف عام 2013، انتقلَ بعدها للعلاج في إحدى دول الجوار، حيث يقيم الآن، ولم يعُد بعدها. يؤكد الشاب أن تأمين الحماية لمجموعاتٍ من «المتخصصين» هو عمل طالما شارك فيه. «آخر عملية شاركت فيها من هذا النوع كانت في شباط (فبراير) 2013. كانوا ثلاثة أشخاص يتحدثون الإنكليزية، من بينهم رجل في الخمسين من العمر يبدو زعيمهم». يضيف الشاب: «سلمتنا إياهم مجموعةٌ مسلحة أخرى رافقتهم من الحدود التركية. قمنا بمرافقتهم إلى الموقع، حيثُ تسلمتهم مجموعةٌ ثالثة. وبعد يومين، أعدنا الكرّة بطريقة معاكسة». يؤكد الشاب أنّه لا يمتلك الكثير من المعلومات حول التفاصيل الدقيقة، فقد كانَ مجرّد عضو في مجموعة يتزعّمها شخصٌ يُعرف باسم «أبو الليل». وكانت المجموعة تقوم بالكثير من الأعمال، من بينها هذا النوع ودائماً وفقاً لتعليمات «أبو الليل» الذي يبدو أنه بدوره يُنفذ تعليمات تصلهُ من «زعيم أعلى».
لا تفاصيلَ إضافية إذاً. لكن الواضح أن هذا العمل يسير بتنظيم دقيق، ووفقَ هيكليّة «مافيوية» وفر لها الانفلاتُ الأمني المطلق، وغياب سلطة الدولة، مناخاً «مثاليّاً» لممارسة عملها في تهريب الآثار. وهو عملٌ يبدو مسلّماً أنه لم يتوقف يوماً حتى أيام الاستقرار الأمني، شأنه في ذلك شأن جميع أعمال التهريب، لكنّ الوضع القائم في ظل الحرب أتاح «ازدهاره» بشكل أكبر. التقارير الصحافية التي تناولت هذه الظاهرة كثيرة، ويتضح من خلالها أن هذه الأعمال مورست، وما زالت، بكثرة، لا في مناطق الشمال السوري فقط. يشهد الجنوب أيضاً نشاطاً مُكثفاً، وتقوم الحدود الأردنية بدورها على أكمل وجه. كما قامت الحدود اللبنانية بهذا الدور، حتى وقت قريب. ومن المعروف أن معظم المواقع الأثرية في سوريا، يقع في مناطق خارجة عن سلطة الدولة سواء في درعا ومحيطها، أو في ريفَي حلب وإدلب، وفي دير الزور، وغيرها.
وبطبيعة الحال، لا يمكن الركونُ إلى إحصاءات دقيقة لحجم عمليات التهريب، وقيمة الآثار المُهرّبة التي قدّر تقريرٌ صدر في آذار (مارس) 2013 قيمتها بملياري دولار. الأمر الذي وصفه حينها مأمون عبد الكريم المدير العام للمتاحف والآثار السورية بأنّه «خبر صحافي ليس دقيقاً»، بل «يندرج في إطار التنبه إلى حجم المأساة التي تتعرض لها الآثار السورية على يد المجموعات الإرهابية المسلحة». أما وزيرة الثقافة لبانة مشوح، فقد قللت حينها من أهمية ما يجري تداوله في هذا السياق، مؤكدة أنّ «القصد منه التأثير سلباً على موقع سوريا في التصنيف العالمي». وسواء تأثر هذا التصنيف أم لا، لكنّ المؤكد اليوم أنّ الآثار السورية ليست بخير، شأنها في ذلك شأن كل شيء سوري في ظل الحرب. الأمر الذي يبدو أن لدى منظمة «اليونسكو» ما تُقدّم حيالَه أكثر من «الإعراب عن قلقها البالغ»، بشكل مستمر.