يعمل النجم غسان مسعود في المسرح بداعي الشغف ليس إلا! يعتبر نفسه منتمياً بشكل كلّي لأبي الفنون. عندما كان أبناء جيله يحتكرون الفرص التلفزيونية، ويصولون ويجولون في عالم الشهرة، كان شبه وحيد في كواليس المسرح يحارب طواحين الهواء في رحلة دونكيشوتية أوصلته حينها للفقر المدقع. لا يخجل أن يذكر لمحدثيه كيف تخلّف مرّة عن تدريس دفعة من طلاب التمثيل، لأنه لم يكن يملك أجرة تاكسي من بيته إلى المعهد! زاره يومها في بيته طالباه عبد المنعم عمايري ووائل رمضان، وكان الأخير قد باع قطعة أرض في بلدته الزبداني وحمل ثمنها هدية لأستاذه فرفضها. ثم استدان المال ونزل إلى ميدانه الآسر من جديد تقديراً لمبادرة تلميذه النجيب. كل تلك الذكريات الموجعة تجعله شخصاً مختلفاً في طريقة تعاطيه مع المسرح. اليوم بعدما صار نجماً تلفزيونياً مكرّساً، وذا حضور واضح في السينما العالمية، بات يشتغل على عروضه المسرحية من دون أجر، بل يدفع من جيبه في بعض المرات، عدا أنه يتبرّع بأجره الزهيد الذي تدفعه له «مديرية المسارح والموسيقى». رغم الجماهيرية التي حققها عرضه السابق «كأنو مسرح» (كتابة ابنته لوتس مسعود)، إلا أن أقلاماً عدّة تناولته بطريقة قاسية. فكان الرد على أرض الواقع بأنه أعاد التجربة مع لوتس مرّة ثانية. قبل أيام، أسدل ستار النهاية على عروض مسرحيته «هوى غربي» (كتابة لوتس مسعود، وتمثيل: روبين عيسى، لجين اسماعيل، ناظلي الرواس، سيف الدين السبيعي، جمال قبّش، مصطفى المصطفى، مي مرهج، وغسان عزب) فحصد العرض نسبة متابعة كبيرة، وأثار حالة نقدية قليلاً ما تحظى بها العروض المسرحية في سوريا! يعتبر مسعود في دردشته معنا بأنه لم يعد يقرأ كتابة مسرحية متخصّصة، لذا قاطع المقالات التي تُكتب حول المسرح منذ زمن طويل! كما يعتبر أنه لا يحق لأحد تقييم جهد شهور في ربع ساعة، وربما لن يقدّم أيّ تجربة مسرحية من دون أن تتناوله بعض الأقلام بحدية عالية، مرجحاً رغبة بعضهم في تصفية حسابات شخصية على كتف المنجز المسرحي.

لم يسبق له أن حاور ناقداً على حد زعمه في معطيات مقال مجحف بحقّه، إلا وغلبه، واستطاع أن ينتزع منه تردداً وربما ندماً.
اخترنا أن نواجهه بآراء نقدية حول تجربته المسرحية الأخيرة، وترك الفرصة أمامه للرد عليها مباشرة، اعترافاً بالجهد الذي يبذله كل شخص ما زال يعمل في المسرح، وربما فتح باب النقاش في سوية ما قدمه من وجهة نظر صانعه. هكذا، يمكن القول بوضوح بأن الضعف الدرامي في النص، والإطالة في التمهيد أجبراه على بذل جهود إخراجية مضاعفة، ومحاولة التعويض في البعد الجمالي، والتكوين الحركي، والسينوغرافيا لسد فجوات الحكاية والتعويض عن ثغراتها! يتفق مسعود بنسبة كبيرة مع هذا الكلام قائلاً: «لست أمام نص لهنريك إبسن ولا لسعد الله ونوّس. كنت أمام كاتبة ناشئة، لا يعرف المشاهد كم مرّة نامت متعثرة بدموعها بسبب قسوتي المقصودة تجاه ما تنجزه. علماً أنه من حقها عليّ على المستوى الإنساني أن آخذ بيدها، بل أفرش لها دربها بالورد. كما من واجبي المهني تجاه أي نص، أن أبذل كلّ ما أستطيع من قصارى الجهد. فعلاً التمهيد في النصف ساعة الأولى من الحكاية كان خالياً من الدراما، لكّن هذا يرتبط بعلم نفس الجمهور! هذه مادة كنّا ندرّسها أيام زمان في «المعهد العالي للفنون المسرحية». وبناء عليه يمكن التوطئة والاستهلال والتقديم للشخصيات، والحكاية قبل أن يبدأ المشاهد بعد نصف ساعة بالوصول إلى الدسم. وهو ما فعلناه في «هوى غربي». دعني أذكر لك حادثة، مرّة كاد الراحل ممدوح عدوان أن يغادر أحد عروضي بعد عشر دقائق من البداية، فأمسك به المسرحي فرحان بلبل. لكن ما إن وصل إلى نهاية العرض حتى كوّن رأياً مغايراً، وسارع إلى الكواليس ليقوله لي. هذه قصة عابرة تلخّص لك الصيغة التي اشتغل عليها في المسرح». أما عن التأثّر الواضح في بنية النص بمسرح المعلم الروسي تشيخوف، فيجيب: «هذا مبرر ومشروع في التأليف المسرحي ولوتس قرأت تشيخوف في عمر 8 سنوات. ومن حقها أن تتأثر به وتستلهم منه. في المسرح منذ زمن بعيد، لم يأت كاتب بجديد. حتى شخصيات شكسبير وعروضه أعيدت بصيغ مختلفة، وطرائق عديدة، وكتب عليها صنّاعها أسماءهم كمؤلفين. الصنعة والحنكة والبراعة تكون في إسقاط اللغة العالمية على الظرف المحلي، وهو ما حضر بإتقان في ورق «هوى غربي»».
وفي ما يخص التباين الواضح في السوية الأدائية للممثلين والتفوّق في شغل لجين اسماعيل روبين عيسى مثلاً، يقول: «الشغل على أن يكون الممثلين كلّهم في ريتم واحد، ليس له علاقة بالإخراج. هناك ذروات تحتاج إلى لغة هادئة وراقية وخالية من الانفعال، وهذا لا يحتاج إلى إبراز مفرط في المقدرات الأدائية، في حين تحتاج مونولوجات صادمة مثل الذي قدّمته روبين عيسى للمبالغة في تصدير مفردات الممثل، واستعراض أدواته ومفاتيحه، هذا سيترك فرصة للمس تباين معين في الطريقة وليس في الأداء، عدا أن شخصيات أخرى تحتاج للشغل الخارجي في مطارح، ومن ثم الانقلاب الجذري والعودة للمنطق الجوّاني في الأداء... هذا له علاقة ببنية الشخصية وطريقة إيصالها».
هنا نستعيد ملامح مشوارنا الطويل وعلاقتنا المهنية والإنسانية مع نجم «مملكة السماء» (ريدلي سكوت) ونخبره بأننا نلمس تناقضاً حاداً في شخصيته وأسلوب شغله المسرحي والسينمائي. مرة تبدو مثيراً للجدل في تهوّرك وتصريحاتك الشجاعة، وأحياناً تبدو في قمة الحذر والخوف... هل هو قلق المبدع، أم خوف السوري الذي تربى بثقافته الشعبية على الخشية حتى من كثرة الضحك، ومن الجدران التي يمكن أن تستمتع لكلامه وتصير مخبراً عليه؟! يرد: «هذه التقاطة صائبة وفي مكانها. فعلاً إنني مزيج من شك وثقة. قلق وطمأنينة... وهذه صفات تنطبق على من يعمل في الفن. لذا لا يمكن لأي فنان حقيقي أن يكون ناجعاً في السياسية. هناك لا مكان للغة العواطف والمشاعر التي تشكّل قوام الفن». أما عما ينجزه تلفزيونياً، فيشرح: «أقدّم هذا الموسم مسلسل «مقابلة مع السيد آدم» (كتابة وإخراج فادي سليم). حكاية جذابة ومشوقة، عن طبيب شرعي ترك مهنته وتفرّغ للتدريس في الجامعة. تضطر الجهات الجنائية للاستعانة بخبراته فيلمس براهين تثبت تورّط عصابة نافذة. فتختطف هذه العصابة ابنته المصابة بمتلازمة داون، وتبعث له برسالة كحد السيف «إن لم تغيّر تقريرك سنقتل ابنتك» فينصاع لإنسانيته، ويغيّر التقرير، لكن نتيجة نقص الجرعات الدوائية فترة اختطافها تموت الفتاة بعد عودتها لأبيها بيوم، فيخفي الأب خبر موتها، ويبدأ رحلة تصفية انتقامية لعناصر هذه العصابة متكئاً على خبرته في الطب الشرعي من دون أن يترك وراءه ولو دليلاً صغيراً». عالمياً يفصح مسعود بأنه لعب دوراً مع أحد أهم مخرجي العالم، لكنّه لن يكشف عن اسمه ولا عن تفاصيل التجربة، لأنّ «نجوماً كبار في هوليوود اشتغلوا معه ولدى حضورهم العروض لم يجدوا أنفسهم. هو مخرج يمضي سنتين في المونتاج، فإما أن تكون بطلاً مطلقاً معه، أو لا تجد نفسك نهائياً. لذا اخترت عدم المقامرة بالتصريح عن حيثيات التجربة وتركها لحين العرض».