في بداياتها، وتحديداً عام 1998، استضافت «مهرجانات بيت الدين الدولية» التينور الشهير أندريا بوتشيلّي (1958). بعد ما يقارب عقدَين، ها هو المغني الضرير يعود إلى لبنان، وهذه المرة الداعي هو «مهرجانات الأرز». اللافت في الموضوع أن هذا ليس مجال اهتمام «الأرز» في البرمجة، على الرغم من أن بوتشيلّي هو تينور شعبي، وله مساهمة في الأعمال الغنائية الأوبرالية الخفيفة (أوبرا بوب) كما في الريبرتوار الصارم والجاد (الأوبرالي أو الديني). لماذا اليوم في «الأرز»؟ لا نعرف، لكن يجب أن نشير إلى أن التينور الإيطالي أحيا في شباط (فبراير) الماضي أمسية ضمن مهرجان «شتاء طنطورة» في مدينة العلا… السعودية! قد يكون الأمر ناتجاً من توأمة ثقافية وحضارية بين «القوات» ومملكة الفن والجمال. بالمناسبة، غنّى بوتشيلّي في تلك الأمسية عناوين تنمّ عن خبث ثقافي واجتماعي في هذا البلد المصنّف أخيراً بين جميع الدول متخلفاً لناحية علاقته بالفن وحقوق المرأة وحريتها وشرب الخمر. فعلى سبيل المثال، افتتحت الأمسية بمقدّمة أوبرا «كارمن»… آه لو يعرف بن سلمان ما هي قصة هذا العمل! ثم أدى أندريا بوتشيلي مع السوبرانو ماريا أليدا ديو شهيراً من أوبرا «لا ترافياتا» لفيردي، له عنوان إيطالي طويل، لكنه معروف تحت اسم «أغنية الشرب» (المقصود شرب الخمر)، ويؤدّى عادة بكؤوس مرفوعة خلال العرض الأوبرالي، وأحياناً، في حفلات المقتطفات، بالإضافة إلى المغنيَين، يرفع قائد الأوركسترا أيضاً كأسه خلال تنفيذ العمل. طبعاً، لم يحصل ذلك في العلا، لكن كم هو خبيث السماح بأعمال فيها إيحاءات وكلام عن الخمر (والقبلات الحارة)، ما دام بلغة لا يفهمها الجمهور!

على أي حال، عشاق المقتطفات الأوبرالية الشهيرة والشعبية ينتظرون التينور المحبوب في «مهرجانات الأرز الدولية». لم يُعرَف ما إذا كانت سترافقه أوركسترا كاملة (أو مغنية لمرافقته في الثنائيات) كما حصل في السعودية، التي لا تعاني مشكلة ميزانية تجاه مسألة مكلفة جداً. لكن، في كل الأحوال (أي حتى لو اقتصر الأمر على مرافقة للبيانو فقط) سنسمع في الأمسية المرتقبة في 29 حزيران (يونيو) مقتطفات من الريبرتوار الإيطالي في القرن التاسع عشر بشكل شبه حصري، بالإضافة طبعاً إلى العناوين الخاصة التي اشتهر بها أندريا بوتشيلّي، على رأسها أغنية Con te partirò التي ختم فيها حفلته السعودية، حيث فاجأ الجمهور عندما أطلّ مرتدياً الغُترة والعقال (مع كل ما في ذلك من استغلال لعدم قدرته على رؤية ما إذا كان اللباس يليق به أو لا)، اللذين لا مشكلة طبعاً إن ارتداهما في ضيافة «الحكيم» إن لم تتوافر اللبّادة!