«وما تدري نفس بأيّ أرض تموت». جملة تبدو مهولة وبالغة الأثر ولو رفعت عنها حالة القداسة كونها آية قرآنية في «سورة لقمان». لكنّها تظلّ بمثابة فضاء مفتوح من التأمل في النهايات المحتومة! قليلون من يملكون شجاعة مواجهة الموت! مناسبة الحديث هو ما حصل أمس في موقع تصوير مسلسل «دقيقة صمت» (كتابة سامر رضوان إخراج شوقي الماجري) حيث كان على الممثل فواز الجدّوع (1956 ــ 2019) أن يتقاسم أوّل مشهد له في العمل مع زميلته رغداء هاشم ومعهما النجم عابد فهد (أمير ناصر). في هذا المشهد، يسأل الجدّوع عن الشعور بالموت طالما أنّ «أمير» اختبره عن قرب ذات مرّة، لتكون المصادفة الحياتية أعلى بأشواط من كلّ ما يمكن أن تنجزه الدراما. فما إن ردد الجدّوع الكلام حتى سقط مغمياً عليه، ليهرع فريق التصوير ظناً منه أنّه عارض صحي. غير أنّ جهود الممثل اللبناني يوسف حداد بإجراء كلّ الإسعافات الأوّلية والتنفس الاصطناعي لم تنفع، إذ ما لبث أن فارق الرجل الحياة بعد تاريخ طويل من الخيبات، والنكران، والفقر. حتى أنّ سنواته الأخيرة وسمت بتهجيره من مدينته الرقة إلى اللاذقية التي أسدل فيها ستار النهاية! مات أمام الكاميرا وآخر ما قاله كان عن الموت! لعلّها اللحظة المدهشة التي حلم بصناعتها طيلة حياته لينجزها أخيراً ويمضي غير آبه بما خلّفه من إرباك لدى فريق المسلسل.

الصدمة والذهول لن ينفعان بشيء، وكذلك حالة التعاطف الواسعة على الفايسبوك لن تعيد الراحل، لكنّه سلوك وجداني طبيعي بمثابة «أضعف الإيمان» أمام دراماتيكية هذا الفقد الموجع بأقسى هيئة ممكنة!
اللافت أنّ فواز الجدّوع بدأ مشواره من مدينته الرقة وأسس فرقة للفنون الشعبية كما عمل في مجموعة مسرحيات مع الراحل أسعد الجابر، منها مسرحية «درس اللحظات» (1972). وفي العام نفسه، أنجز مسرحية «مشكلة راتب» (إخراج عبد النافع الشيخ) ثم قدّم مع الجابر أيضاً عملاً مسرحياً من كتابة وليد إخلاصي، ليلتحق بعدها بفريق المسرح الجوال ويقدّم أعمالاً تلامس مشاكل الريف النائي. لاحقاً، حضر على التلفزيون و كانت له مشاركات عدّة في أعمال مهمّة منها «خان الحرير» (هيثم حقي)، و«أخوة التراب» (نجدت أنزور) من دون أن تُكتب له مشاهدة تجربته الأخيرة «دقيقة صمت» وهي تبصر النور مكتملة بحضوره!
يستحق الراحل أعتى رسائل إنسانية ممكنة، فليست هناك دراما تفوق موته وهو يمثّل! وليست هناك صدمة أقسى من أن يكون آخر كلامه «احكي لنا عن الموت!»، ثم يسقط مرّة واحدة تشبه حياته، جبلاً أجرد تأمّل كثيراً في أن تمطر عليه السماء لينبت زرعه، لكنّها ظلّت كما باقي يومياته ممعنة في الخذلان. فإذا به ينهار بنّياً مائلاً للأحمر على هيئة التراب الحنون الذي يلمّه اليوم! (قررت عائلته أن تحمله إلى الرقة المدمّرة ليصلى على جثمانه ويُدفن فيها وتقيم عزاءه هناك قبل أن تعود لإقامة عزاء ثان في اللاذقية). لم يسعفه الأخضر ولا حتى عن طريق المصادفة. فقط لدى موته، أنصفته تعليقات زملائه ومعاصريه! لكن ماذا ينفع؟! لقد فات الأوان… مؤسف أن يموت ممثل عاش عمره لكي نتعرّف على فنه، فإذا به يصفعنا بجهلنا وهو يقول في مشهده الختامي: لن تعرفوني إلا عندما أموت! لكن حتماً المجد والشهرة والهدوء ستعرف طريقها إلى روح فوّاز جدّوع.