خلع سهل مرجحين ثوبه الأخضر والذهبي باكراً هذا العام، وتحولت مساحاته نحو اللون الأحمر الترابي الداكن. فعلى عكس السنوات الماضية، التي كان فيها الذهبي يحتل كل مساحاتها، ها هم الفلاحون يحرثون معظم الحقول قبل نضج مواسم القمح، لأن هذه المواسم لم تبق إلى أوان الجنى، بسبب سيول الشتاء المنصرم التي أدت إلى غرق الحقول، وبالتالي إلى تلف المنتَج القمحي.هكذا، بدأت في سهل مرجحين عملية استبدال زرع الحقول باكراً، استعداداً للموسم الصيفي؛ إذ إن حقول القمح التي كان مقرراً حصادها ودرسها هذه الأيام لم تعط أُكُلها.


لهذا، كان لا بد للمزارعين من الاستعداد لزراعة الموسم الآخر البديل، وهو البطاطا. لا شيء آخر؛ فـ«السهل عادة يتنقل بين زراعتين فقط لا ثالث لهما: زراعة القمح والبطاطا»، يقول المزارع حسين ناصر الدين. فعلى مدى فصلين من العام، لا شيء يزرع في السهل إلا هذين الصنفين: القمح والبطاطا. أما الخضار والأشجار المثمرة، فليست من سمات سهل مرجحين؛ إذ تبقى مقتصرة على حدائق البيو.
في السابق، كانت غالبية المزارعين في السهل المطوق بسلسلة من الجبال، منها القرنة السوداء المرتفعة 3090 متراً عن سطح البحر، يزرعون نبتة «الحشيشة» أو «الخشخاش»، إنما «كان هذا في وقت مضى قبل أن تعمد السلطات الأمنية إلى مراقبة السهل ومنع هذه الزراعة فيه وإتلافها في حال اكتشافها».
خيار المزارعين في زراعة البطاطا في سهل مرجحين أتى «لكون هذه الزراعة ناجحة جداً في السهل ذي التربة الحمراء الداكنة، لكنها زراعة لا تدخل في حسابات التجارة؛ لأن مواسمها للمؤونة ولتغطية بعض النفقات من خلال بيع كميات متواضعة للأقارب والجيران»، يقول ناصر الدين. لا تواجه مزارعي السهل، الواقع على ارتفاع 1712 متراً، مشكلة في الرّي، لأن ثمة ينابيع عدة تنبجس من أرضه أو تصل إليه من ينابيع أخرى، ومنها نبع «الحور» في أقصى جنوب السهل وعين «الجامع» في الجهة الشمالية و«السويدية» في التلال وغيرها. لكن المشكلة الأساسية أمامهم كانت في عدم وجود أسواق تشجعهم على «اعتناق» زراعات بديلة؛ فـ«نحن هنا متروكون لقدرنا وحياتنا التي تعتمد إما على زراعة البطاطا والقمح أو على تربية الماشية»، يتابع ناصر الدين. يشتري مزارعو السهل بذور البطاطا بالمقايضة: القمح بدل حبات البطاطا المخصصة للزرع أو حصة من المحصول عندما يقلع الموسم. أما سعر كيلوغرام البطاطا الخاص بالزرع فيراوح بين 500 و600 ليرة لبنانية.
تبدو الحياة في سهل مرجحين أقرب إلى البدائية؛ فالبيوت فيه، وهي ليست كثيرة، لا تزال كما كانت عليه قبل سبعين عاماً أو خمسين. لم تتطور. كما هي منذ زمن، أقرب إلى أكواخ إما من طين أو من حجر صخري. ربما لأن السهل «ممنوعة» الإقامة فيه أو إمكان العيش خلال موسم الشتاء؛ إذ يتجاوز تراكم الثلوج فيه المترين (لم تزل حتى اليوم مساحات من الثلج في محيط السهل، بالرغم من حلول شهر حزيران). أما الطرقات المعبدة، فتعود لأكثر من ثلاثين عاماً، لكن عدم وجود ضغط سير عليها عمل على بقائها على «عافية» مقبولة؛ إذ لا يقصد طرقات السهل إلا أصحاب الأراضي، أو الجرارات الزراعية في موسم الحرث، أو الحصاد والدرس. حتى إن العائلات العشائرية لا تتجاوز مناطقها المفروزة لها فيه.
لا يحلم مزارعو السهل بأكثر من فصل مطر جيد، ذي ثلوج قليلة، «لكي لا تغرق حقولنا بعد بذرها بالقمح، فأسابيع قليلة من المطر كفيلة بالقضاء على الموسم». وإذ يأمل ناصر الدين تخطي موسم البطاطا الأزمات، يلفت إلى أنه «حتى البطاطا لا تسلم من غضب الطبيعة، فموجة صقيع ليلي تقضي على الأوراق والنبتة الخضراء فوق الأرض، وعندما تذبل تموت الجذور ولا يكتمل نمو الحبوب الصغيرة فيضيع الموسم».
يتحسر عدد من مزارعي سهل مرجحين على أيام عزّه، لكن هذا العز كان يرتبط بزراعة الحشيش التي كانت تدر عليهم أرباحاً جيدة وكبيرة تجعلهم في حالة اكتفاء دائم. أما الحسرة هذه، فلأن البدائل «غير محمية من الدولة أو مدعومة، وما نجنيه هو للمؤونة فقط، ما يعني أنه لا يسد جوعاً ولا يوفّر أكلاف التدفئة خلال فصل الشتاء». وهنا، في هذا السهل «الحياة صعبة، ولا نجرؤ على العودة لزراعة الحشيش، فهذه الزراعة مهددة دائماً بالتلف والمزيد من الخسارة»، يقول مزارع آخر.
يذكر أن أحوال المزارعين لم تساعدهم في خلق شبكة ري مدروسة في سهل مرجحين، على نحو قنوات الري وبرك لتجميع المياه وإعادة استخدامها في عملية الري التي تجري في معظم الأحيان إما بواسطة الضّخ أو بواسطة الجر.