الطريقة التي يستعيد بها حزب الله ماضيه هي التي تصنع حاضره. هذه كانت خلاصة المحاضرة التي قدّمها بشير سعادة، أمس في AUB. فيها، تناول الباحث المظاهر الثقافية للحزب بوصفها خطاباً يستمدّ من أرشيفه، ويستعيد ماضيه الذي يمثّل بوصلة تحدد اتجاهاته السياسية، والمؤشّر الأهم لها


رنا حايك
على عكس ما درج عليه عادة الباحثون لدى تناولهم ظاهرة حزب الله، بحث الأستاذ في كلية العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، بشير سعادة، شكل خطاب الحزب لا مضمونه، خلال المحاضرة التي ألقاها يوم أمس في الجامعة تحت عنوان «حزب الله وسياسات التذكّر». فلدراسة ظاهرة حزب الله، «تفاديت اختزاله بوجه واحد من وجوهه كوجهه العسكري، أو ماكينته الإعلامية، أو تعريفه بحسب مفاهيم مسبقة كإسلامي أو جهادي مثلاً، فهي مفاهيم نفسية وأخلاقية تبحث في نيات الحزب، لا في آلية عمله السياسي».
منذ بداية الثمانينيات، قبل أن يشتهر ويذيع صيته، يكتب حزب الله عن نفسه. يؤرقه، كما يؤرق أي منظمة سياسية حزبية، السؤال الوجودي ذاته الذي يؤرق البشر: تعريف الذات، تعريف الآخر، ومحاولة فهم الاثنين. في هذا السياق، يقوم الحزب بمجهود خارق في مجال التأريخ ليومياته وأرشفتها، من ثم استعادتها في لحظات معينة لخدمة هدف سياسي معيّن، كما يتفاعل بوضوح مع ما يكتب عنه. وإلا، فلماذا يكون الحديث أحياناً عن ولاية الفقيه بينما تُغفَل في أحيان أخرى، بحسب المرحلة والظرف والمتحدّث نفسه؟ ولماذا كان يُحتفى بذكرى عاشوراء خلال السنوات الماضية بطريقة صاخبة باعتبارها العنصر الجامع والطريقة الأمثل لتحريك الطائفة الشيعية وحشدها؟ هل لاحظ أحد أن الاحتفاء بعاشوراء أصبح أقل صخباً خلال السنتين الماضيتين، منذ أن تحوّلت المناسبة إلى مظهر جاذب، وإلى نوع من «fettish» النفسي تهافت المسرحيون والمخرجون التسجيليون على الاهتمام به وتظهيره؟ فعاشوراء لم تعد امتيازاً حصرياً في عالم الاحتفاليات الجامعة، حيث أصبح، في القرى الشيعية للبنان، «كل يوم عاشوراء»، إذ لا يمرّ أسبوع من دون مجلس عزاء عن روح أحد شهداء الحزب. في هذا السياق، «يصبح التذكّر فعلاً تحفيزياً، وتصبح روزنامة العام سلسلة من مواعيد ومناسبات للتذكر» كما يشرح سعادة. لذلك ثمة مؤسسة تابعة لحزب الله اسمها «مؤسسة أثر الشهيد». فالشهيد، باللغة العربية، هو من يشهد على الواقعة، هو من يجسّد مرحلة ويرمز إليها ويمثّلها. يُحفَظ أرشيفه وتُكرّم ذكراه، على أن يستفاد من ذلك في ما بعد، في لحظة ما. لذلك، يحرص نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، على أن يذكر في مقدمة كتابه أن هدفه هو «أرشفة التراث المقاوم لحزب الله».
والأرشفة التي يتحدث عنها سعادة لا تتعلق بتلك الداخلية السرية لحزب الله فقط، التي لم يطّلع عليها «وإلا كنت في خطر»، كما يمازح الحضور، بل تمتد وتتشعّب لتشمل قاعدة البيانات العريضة التي تتألف من كل ما كتب عن حزب الله، أكان لمصلحته أم ضده، وليس فقط أدبياته الخاصة. فقد كان الإسرائيليون أول من كتبوا عن ظاهرة حزب الله، تلاهم الأميركيون الذين استندوا إلى تحليلاتهم للكتابة، إلى أن بدأ الإعلاميون والمثقفون في لبنان تناول الظاهرة. كل ذلك، منذ اللحظة الأولى، دخل في أرشيف حزب الله، لأن الحزب كان يتلقف تلك الكتابات ويردّ عليها ويحللها، فيزيد أرشيفه. بذلك، «يكون كل باحث في حزب الله جزءاً من المكوّنات التي تصنع خطاب الحزب، لأن الحزب يتفاعل مع ما يكتب عنه»، كما يشرح سعادة الذي يعدّ أطروحته عن موضوع «المظاهر الثقافية لحزب الله». فيها، يحاول توضيح الأثر القاطع لتلك المظاهر، من أرشيف إلى مناسبات احتفالية، على سياسة الحزب وعلى خطابه.



قاعدة بيانات عريضة

خلال محاضرة المظاهر الثقافية لحزب الله، في الجامعة الأميركيّة، لم يذكر الباحث بشير سعادة «سوى 2% من محتوى رسالتي، تحسباً لتأويلات سياسية قد تكون خاطئة لأنها ترتكز على أجزاء من الرسالة لا عليها ككل». ويصف رسالته بـ«محاولة لتسليط الضوء على أن حزب الله ليس مؤسسة سياسية تكتيكية تخوض معركة نيابية وأخرى عسكرية، بل هي منظمة بحث وأرشفة». وعن اختياره موضوع الرسالة التي يناقشها خلال الصيف في «كينغز كولدج»، البريطانية، يقول سعادة: «اخترت هذا الموضوع لأنني لاحظت أن كل ما يكتب ويقال عن حزب الله له تأثير سياسي في خطابه. فهو يتفاعل مع الأدبيات التي تتناوله. لذلك، قد يتفاوت خطابه قليلاً من وقت لآخر. أحببت أن أتابع، من خلال خطاب الحزب وتفاعلاته مع ما يكتب عنه، كيف يصف الحزب نفسه».