إن جاذبية الشاشة الضوئية الالكترونية لفئات واسعة من المجتمع توجّههم أحياناً نحو الضلوع بأعمال مخلّة بالقانون. فلعب القمار الممنوع خارج كازينو لبنان أصبح متاحاً عبر شاشات الكمبيوتر. لكن كيف تتحوّل العملة الالكترونية الى عملة فعلية؟ وكيف يتمّ البيع والشراء؟


نبيل المقدم
لم يعد وليد المراهق يعرف طريقاً إلى المدرسة، مسيره ينتهي عند محل ألعاب الإنترنت القريب من منزله، هناك يمضي معظم وقته في ممارسة لعبة «تكساس هولدم» (إحدى ألعاب الميسر)، تمر الساعات بسرعة، ينعزل الفتى المراهق في العالم الافتراضي، مع أشخاص لا يراهم ولا تربطه بهم معرفة واقعية. أما سركيس، صديق وليد، فيقول إن اللعب يبدأ من خلال شراء عدد معيّن من الوحدات أو ما يعرف بلغة البوكر بالـChips، يبيعها صاحب المحل الذي يدير اللعبة «وفي حال الربح فإن اللاعب يستردّ ما دفعه ويتابع اللعب، وفي حال الخسارة، وهذا ما يحصل في معظم الاحيان، يشتري اللاعب وحدات جديدة». الثمن مرتفع، يشكو سركيس، ويهمس لمحدّثه «أنا ووليد أخذنا أموالاً من جيب والدينا دون معرفة منهما، ومرات عديدة تشاجرنا مع أصدقاء لنا، بعدما استدنا منهم المال وعجزنا عن إعادته».
بدأت لعبة «تكساس هولدم» بالانتشار في لبنان قبل أكثر من عام، روّج لها صاحب مقهى انترنت، خصّص في مقهاه غرفاً معزولة فيها أجهزة كمبيوتر وسمح للاعبين بالدخول الى الطاولة الخضراء الافتراضية. واللعب كان من خلال خادم خاص (server) بالمقهى.
رئيس مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في الشرطة القضائية الرائد إيلي بيطار يقول إن صاحب هذا المقهى ضُبط وخُتم محله بالشمع الاحمر، ولكن هذا الإجراء لم يكن رادعاً له، رغم أن إخلاء السبيل تم بناءً على تعهد أمام النيابة العامة بألا يسمح بهذه الألعاب في مقهاه. يقول الرائد بيطار إن هذا الرجل عاد ثانية الى تشغيل اللعبة، ولكن هذه المرة من خلال موقع خارجي اشترك فيه، وهو موقع خاص بلعبة «تكساس هولديم» وفي المرة الثالثة عاد الى الاشتراك في الموقع الخارجي للعبة ولكن بطريقة أكثر خطورة واحتيالية، إذ وزّع إدارة اللعبة على عدد من محال الانترنت، وأصبح يتواصل معهم من خلال «عنوان انترنت» (IP) خاص، يمكّنهم من إدارة اللعبة ولكن من خلاله. تنامي شعبية «تكساس هولديم»، وانتشارها كالفطر زاد من سحرها، البعض يعتبرها وسيلة لجني المال السريع، وإن كان «مالاً قذراً كمال القمار».

فنون اللعب أو النصب

ألبير تاجر القماش أدمن لعبة «تكساس هولدم» عبر موقع «فايس بوك»، وقد تعرّف إلى منير الذي أوهمه أن بإمكانه أن يحوّل له، أي إلى حسابه، ما يحتاج إليه من وحدات، وذلك مقابل مبلغ معيّن يرسل له بواسطة شركات تحويل الاموال. يقول ألبير «أرسلت له 400 دولار، ولكنّ المال تبخر والوحدات لم تصل»، ومع ذلك فإن ألبير مستعد لمعاودة الكرّة على حد تعبيره. ألبير بلع الطعم وسكت، لكن آخرين لم يستسلموا أمام ضروب النصب فتقدموا بشكاوى قضائية. تمكنت القوى الأمنية من رصد سمير (اسم مستعار)، وهو الذي تمكن من الاحتيال وسرقة الأموال من بعض لاعبي «تكساس هولدم»، فتبيّن أنه من العاملين (أو المالكين) لمقهى انترنت في طرابلس، تم التواصل معه عبر الانترنت، ادعى «محادثه» أنه سيرسل له مالاً، وأكد سمير في المقابل أنه سيزوّده بعدد من الوحدات.

قراصنة جدد

ألبير يشكو: أرسلت له 400 دولار، ولكن المال تبخّر والوحدات لم تصل
يبدو أن هذه اللعبة أنتجت «نوعاً جديداً من التجار والقراصنة» وفق خبراء أمنيين متابعين للملف. فإذا قصدت مقهى إنترنت يقدّم لزبائنه خدمة «البوكر» الإلكتروني، فستتعرف بالتأكيد إلى أشخاص يمتهنون مهنة جديدة ألا وهي «الصرافة» أو تجارة الـchips الخاصة بلعبة «تكساس هولدم». وجيه من هؤلاء، يقول إن هذا النوع من التجارة يدر عليه يومياً مبلغاً يتراوح بين خمسين ومئة دولار. يجمع وجيه كميات كبيرة من الوحدات من لاعبين يخزنونها في حساباتهم الخاصة، يتولى عملية شرائها بأسعار متدنية، ليعيد بيعها للاعبين «ملهوفين» بأسعار أغلى. ويؤكد وجيه أن الأسعار التي يطلبها غير ثابتة بل «بحسب نهم المشتري للمقامرة». وثمة تجار يعتمدون على خبرتهم في العالم الإلكتروني، إنهم قراصنة يجيدون التسلل إلى حسابات اللاعبين، ويسرقون الوحدات المخزنة فيها، لبيعها «للمقامرين الجدد».
بعض تجار الوحدات يعرفون متى «تزدهر» مواسم تجارتهم. منى موظفة في أحد فنادق العاصمة، وهي تنتظر حلول فصل الصيف لتستفيد من إدمان بعض السياح على هذه اللعبة، وخاصة الفتيات منهم. تقول منى «يدفعون مبالغ كبيرة» في سبيل الحصول على الوحدات المشغلة للعبة فهي اشترت من أحد الاشخاص وحدات بقيمة عشرين دولاراً، وباعتها لإحدى السائحات العربيات بـ150 دولاراً.

بالمرصاد ولكن

هل يعاقب القانون هذه النوعية من التجار والقراصنة؟ يجيب الرائد بيطار بالقول إن أي عملية سرقة للمعلومات أو العبث بها أو إتلافها هي عرضة للملاحقة القانونية والجزائية، أما على صعيد هذا النوع من التجارة فإن لكل حالة وضعها الخاص «فإذا كانت المبالغ المتداولة ضئيلة وغير ذات قيمة كبيرة فقد لا نتدخل ولكن إذا كانت كبيرة فإن الشخص يكون حكماً عرضة للملاحقة». ويؤكد بيطار أن هناك مجموعة من الاشخاص تجني من هذه التجارة مبالغ كبيرة وهي موضع متابعة ومراقبة ونحن يحق لنا الدخول الى عنوان الانترنت (IP) الخاص بها والتأكد من كمية الوحدات المخزنة والطرق التي يجري التدوال بها متسلحين بالقانون الذي يمنع تداول هذا النوع من الألعاب خارج كازينو لبنان.

آثار نفسية مدمرة

يحلل الباحث الاجتماعي والنفسي كمال عواد سبب انتشار هذا النوع من الالعاب في أوساط الشباب بالقول إنها تعود بالدرجة الاولى الى حال الفراغ التي يعيشها هؤلاء بسبب عدم معرفتهم كيفية استثمار الوقت، كما ان غياب الاهل والمؤسسات التربوية عن الرقابة الجدية لسلوك الشباب وعدم الإصغاء الجيد لآمالهم وطموحاتهم جعل من البيت والمدرسة مكاناً غير محبّب لهم. ويحلل عواد شخصية المقامر بالقول إنه شخص غير محكوم بضوابط أخلاقية فيندفع لمثل هذه الممارسات بقصد اكتساب القوة والوجاهة بين نوعية البشر المحيطين به، ويتابع بالقول إن اللعب قد يبدأ بالرهان على وجبة أو مشروب ثم على نقود وبعدها يدخل في مرحلة الإدمان.


ثلاث فئات من اللاعبين

لاعبي «التكساس هولدم» في لبنان ينقسمون إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى لاعبون على مواقع عالمية. معظم هؤلا يستخدم بطاقات الائتمان (credit card) في تداول وحدات اللعب في الربح والخسارة، ما يجعل عملية تعرضهم لعمليات السرقة والاحتيال من قبل لصوص الشبكات الإلكترونية أقل احتمالاً من غيرهم. الفئة الثانية لاعبون يمارسون هذه اللعبة عبر موقع «فايس بوك» الإلكتروني. وهؤلاء يمثّلون هدفاً دائماً للصوص القرصنة الإلكترونية الذين يستطيعون بواسطة استخدام وسائل تقنية متطورة الدخول إلى حساباتهم وسرقة الوحدات بهدف إعادة بيعها. عدد الزبائن يتزايد، إذ إن الـ«فايس بوك» موقع يعرّف فيه الناس عن أنفسهم أمام الآخرين، وكثيرون يحبّون التباهي بثرائهم وقدرتهم على جمع عدد كبير من الوحدات. أما الفئة الثالثة فلاعبون عبر مواقع محلية مربوطة بخادم (server) محلي. ويوضع هذا الخادم الإلكتروني غالباً في مقهى الإنترنت، ويشتري الزبون وحدات مالية منه ليتمكن بواسطتها من اللعب، الذي يقتضي أموالاً مقابل الوحدات التي يجمعها إلكترونياً.