نصف عام من النظام في الضاحية. ثمّة ما تغيّر هناك، ولكن ليس كثيراً. فالحملة التي أطلقتها جمعية «قيّم» لن يكون سهلاً الوصول بها إلى الكمال بسبب عائقين: خوف الناس من أن يقطع النظام أرزاقهم، ورسوخ المخالفات في منطقة نمت لعقود عشوائياً


راجانا حمية
نصف عام من النظام مر على الضاحية الجنوبية لبيروت، من دون أن يتغيّر الكثير في وجه أرض الله الضيقة. كرّ وفر، إزالة بسطات ثم إعادتها ثم إزالتها... إلخ، كأنه نوع من نقر مستمر على حجر، حيث تحتاج كل نقرة إلى نقرة أخرى وجهد قد لا ينجح في إحداث فرق من المرّة الأولى. هكذا، هي حال النظام العام في الضاحية، حيث كل خطوة نحو إرساء هذا النظام تستوجب العمل مرّة واثنتين وثلاثاً للوصول إلى المرجوّ منها.
ليس هذا لأنها المرة الأولى التي يهبّ فيها النظام فجأةً في أحياء عشوائية لم تعتده، بل لأن هذه الأحياء قائمة من أساسها على مخالفة يصعب محوها دفعة واحدة، ويصعب بالتالي إقناع «المخالفين» بأنهم مخالفون. لكن هذا، ليس خطأ الضاحية ولا أبنائها، فثمة «نظام لم تتّبعه الدولة من الأساس في تعاطيها مع الضاحية»، يقول رئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد سعيد الخنسا. ولئن كان لا بد للدولة أن تتدخل، وهي الخجولة بسلطتها إلى الآن رغم الدعوات، فإنّ ذلك لا يجدر أن يكون عذراً لإعادة معظم المخالفات التي كانت قد أزيلت، ومنها التعديات على الأملاك العامة.
فقبل ستة أشهر من الآن، هبت جمعية «قيم» بحملة نظام واسعة، بدأتها بإزالة التعديات على الأملاك العامة. في حينها، نجحت في حملتها إعلاميا أكثر من النجاح على الأرض، والأسباب؟ كثيرة، منها ما هو مترتب على الحملة والبلديات المكلّفة بالمتابعة من جهة، والمواطنين من جهة أخرى. كان من المفترض بالمسؤولين عن الحملة متابعتها خطوة بخطوة، «لكننا نتجنّب في بعض الأحيان الصدامات مع الناس، وفي النهاية بدها تاخد شهر بالزايد مثلاً أو أكتر، بس الحال أفضل بكتير»، يقول رئيس بلدية برج البراجنة محمد الحركة.
أما المواطنون، فإذا أُقنعوا بأنهم مخالفون لا يتراجعون، لأنه، ببساطة: لا بديل، يقولون.
علي، صاحب المقهى الذي عاد إلى الرصيف بعد أسابيع من الالتزام «يستصعب» تطبيق «النظام بعد 30 سنة من المخالفات». ليس وحيداً هذا الشاب في «تصريحه»، فكثيرون لم يجدوا إلّا العودة خياراً «من أجل لقمة العيش»، يقول محمد عرابي. يضيف: «طيّب، أين هو البديل، كيف أعيل أولادي؟». أما فائق عريبي، فعلى الرغم من أنه يؤمن بأن «النظام حلو»، ولكن «وين بالضاحية، اللي كلها مخالفة، بيفوتوا بالإكسبرس وناسيين أنه في مناطق كلها بحاجة إلى معالجة».
لا يستسيغ الكثير من المواطنين حدود النظام، وقد «يفهمه بعضهم على طريقة أنه إذا اشترى محلاً، يرى أن كل فسحة أمامه ملكه هو لا ملك عام، لكن عليه إذا اشترى محلاً، أن يفهم أنّه اشترى محلاً فقط، لا الملك العام أمامه»، يشدّد الخنسا.
هذا التشديد لم يُثن الكثيرين عن العودة إلى المخالفات، لكن، هذا لا يعني أن الضاحية لا تزال عالقة عند نقطة الفوضى، فالنظام يحل شيئاً فشيئاً، وإن بدرجات متفاوتة «تختلف باختلاف ظروف كل منطقة في الضاحية وخصوصيتها»، يعلّق الخنسا. ويؤكد أن «تاريخاً معيّناً من عدم الانضباط والفوضى لا يمكن ضبطه في أيّام أو حتى أشهر».
هو اختلاف في الأساليب بين بلدية وأخرى، كما هو اختلاف في نوع المخالفة التي يُفترض تنظيمها، فقمع المخالفات في الغبيري يختلف عن الرمل العالي «الذي يحتاج إلى رؤية على مستوى الدولة، لا على مستوى البلديات».
لكن، مع هذا، يستبشر رئيس الاتحاد خيراً، فـ«ما فعلناه حتى الآن مهم وإيجابي، وبالتالي، فإن تطبيق النظام يصطدم بقلة من الناس فقط، وهم إمّا مستغلّون وإما مستفيدون». يوضح: «من الطبيعي عندما يطبّق النظام، أن يتضرر بعض الذين اعتادوا الارتزاق بالفوضى». لكن، ما هو البديل للمرتزقين بالفوضى، ومعظمهم من الفقراء؟ المطلوب قوننة الوضع فقط.
إذاً، هي أزمة مواطن قبل كل شيء. مواطن يخاف أن يقطع النظام لقمة عيشه في ضاحية هي نفسها بُنيت على كمّ هائل من المخالفات. لكن هل هي مسؤوليته هو؟
«بعض الشيء»، يقول الخنسا، ولكن ليس وحده، فهناك المجتمع المحلي والدولة، بشقّيها الإنمائي والأمني. يتمثّل المجتمع المحلي بالبلديات التي «هي جهاز بلدي لا قمعي»، والإعلام وهيئات المجتمع المدني. في هذا الجانب، قد يكون ما قامت به البلديات «بيكفّي وبيوفّي في بعض الأحيان». وهنا، يسرد الخنسا بعض المشاريع التي تحقّقت في الضاحية بعد حملة النظام. فمن الجهة الأولى «أزالت البلديات الكثير من المخالفات، كما أن القوى الأمنية صادرت نحو ألفي دراجة نارية، وأوقفت 90% من مروجي المخدرات»! لكنه لم يحدد بناءً على أيّ «إحصاء» أعطى هذا العدد، ولماذا لم يُقبض بعد على العشرة في المئة.
أما على السبيل الإنمائي، فقد أجرت البلديات مناقصة على «خطة السير، وقد رست على شركة جهاد المولى بموازنة قدرها ملياران و995 مليوناً و641 ألفاً». تضاف إلى ذلك كله «حملات التشجير وتنظيم قطاع الكهرباء والمياه».
لكن، ماذا عن الدولة؟ على الصعيد الأمني، تقوم القوى الأمنية بعملها في قمع المخالفات، لكن «وينيي» الدولة على الصعيدين الإنمائي وقوننة الوضع في الضاحية؟ على الصعيد الإنمائي، تحضر الدولة بخجل في بعض المشاريع. وكذلك هي الحال على صعيد قوننة الوضع. لكن، ألا تفرض هذه القوننة حضوراً أكبر لمواجهة أزمة لا تُحل على قاعدة إزاحة المخالفة فقط. فهل تُحلّ مشكلة بيوت الاحتلال بإزاحتها؟ وإلى أين؟ ومن يعوّض على أصحابها؟



ماذا عن «أليسار»؟

تفتح أزمة النظام في الضاحية الجنوبية الباب على مشروعات نظام أخرى «معلّقة» منذ سنوات، يقول رئيس اتحاد بلديات الضاحية، محمد سعيد الخنسا. ومن هذه المشروعات مشروع أليسار، المفترض أنه مكلّف من الحكومة منذ عام 1997، بلحظ المخالفات في نطاق غربي طريق المطار وحلّها بالطرق القانونية، إضافةً إلى التعويض على السكان. لكن، ماذا بعد 13 عاماً؟ يقول الخنسا إن «الجواب في مناطق الأوزاعي والجناح ومدخل صبرا وحوش القتيل، التي لا تزال على حالها، والتي تحتاج إلى أليسار أكثر فعالية». الحل إذاً، ليس بإزاحة «الكيوسكات»، بل «بتنظيم مناطق تنظيماً كاملاً»، يختم الخنسا.