بُعيد بروز الشذرات الأولى لنتائج انتخابات المجلس التأسيسي التونسي، وإعلان حركة «النهضة» الإسلامية فوزها بنصيب الأسد، تسارع خروج ردود الفعل على النبأ منذ بزوغ الخيوط الأولى من أشعة شمس يوم أمس في الشوارع التونسية، وعلى أثير الإذاعات وشاشات التلفزيون المحلية. بشكل منطقي، انقسمت ردود الفعل تلك بين خائب وموافق على مضض وسعيد. بين الخيبة والسعادة، كانت الوجوه في الشارع تعبّر عن نفسها من دون أي سؤال، وحتى من دون أي إشارة أو إيماءة. يجيبك أحد الخائبين: «النهضة استولت على السلطة، واليوم دخلنا في عهد من ظلام دامس، قد ندخل معه في دوامة عنف لا طائل منها». هكذا يعرب عصام، أحد طلبة الحقوق ورئيس جمعية تعنى بالتعاون الأوروبي ـــــ التونسي، عن مشاعره، متوقعاً أن يصبح الدين «هو المعيار الذي ستقيس به النهضة، صاحبة السلطة، الناس». وفي سياق تشاؤم عصام، فإنه يحذّر من أن عهداً جديداً من الطغيان سيبدأ، ولكن هذه المرة في «نسخة دينية» مع حكم الشيخ «قائد الثورة» (في إشارة إلى زعيم النهضة راشد الغنوشي).

عصام الغاضب يرى أن «أفضل ما فعله الديكتاتور زين العابدين بن علي كان إقصاء الإسلاميين عن الحياة السياسية»، ليستنتج أن «النهضة» اليوم ستتدخل في كل «مجريات حياتنا»، وأن تونس «ستصبح مثل إيران، حيث سيحكمنا قائد الثورة الإسلامية التونسية»، مثلما يحكم الملالي في طهران وقم. وجهة نظر يعبّر عنها هذا الشاب الغاضب من صعود التيار الإسلامي على حساب التيارات «الوسطية» ذات التوجهات «الحداثية»، بحسب تعبير وليد، الصديق المقرب لعصام.
وبالدهشة والاستغراب نفسيهما، استقبلت حياة، إحدى الناشطات في المجتمع المدني، نبأ صعود «النهضة» كأقوى جهة سياسية في البلاد، مؤكدة أن الانتخابات «شابتها بعض التجاوزات التي لا بد للقضاء من الحسم فيها قبل إعلان النتائج النهائية». كلام حياة لم يطابق البتة ما أورده بيان بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي، الذي أقرّ بنزاهة الانتخابات رغم أنها شابتها بعض التجاوزات التي لم تؤثر على العملية الإنتخابية «بما أنها لم تتجاوز 3 في المئة من مكاتب الاقتراع».
تلك النظرة المتشائمة إزاء فوز «النهضة»، جعل بعض الشباب العلماني يخرج صراحة في تظاهرات في شارع محمد الخامس قبالة مقر هيئة الانتخابات، ليعرب عن سخطه من فوز هذه الحركة. تظاهرة شهدت شتماً واضحاً لبعض وجوه الحركة الإسلامية، ولزعيم قائمة «العريضة الشعبية» الهاشمي الحامدي. وقد استغرب المتظاهرون صعود الحامدي بتلك الطريقة المفاجئة، وحصوله على 30 مقعداً من مقاعد «المجلس التأسيسي»، فيما سقطت أحزاب «تاريخية» أخرى في أول اختبار للديموقراطية في تونس. ذلك الاختبار السياسي الصعب هو «عسير الهضم» بالنسبة إلى الناشط السياسي اليساري الشاب أيمن، الذي أقر صراحة بديموقراطية الانتخابات ونزاهتها، مبدياً في الوقت نفسه معارضته لصعود الحركة الإسلامية إلى صدارة انتخابات «التأسيسي». وتساءل أيمن في حديث مع «الأخبار»، من أمام مقر هيئة الانتخابات، عن أسباب هذا التشكيك بالانتخابات من المتظاهرين، مضيفاً أنّ «الانتخابات كانت بمثابة عرس للديموقراطية، ولكن الكلمة الأخيرة جاءت من الشعب، وعلينا بالتالي قبول النتائج والرضوخ للإرادة الشعبية». ويتابع أيمن أنّ على القوى الخاسرة أن تلجأ إلى المعارضة، وأن تراقب ما تقوم به «السلطة الجديدة» التي ستنبثق من نتائج انتخابات «التأسيسي». كلام يعبّر عن حالة من الرضى على ما آلت إليه الأوضاع في تونس بعد الانتخابات التاريخية، ولكنه يترجم في الوقت نفسه حالة تخوف من المستقبل السياسي للبلاد.
من جهتها، تشير الناشطة في أحد الأحزاب القومية التونسية خديجة بن ساسي، إلى أن «النهضة» انتصرت والمنصف المرزوقي كذلك، وبالتالي «علينا قبول ذلك والعمل على عدم إمرار مشاريعهما في الدستور المقبل». وتجزم بأنها، بقدر ما تستطيع، وبـ«الاستعانة بقلمها، أن تفضح ما خفي عن الأعين من تصرفات النهضة وتعرية أجندتها الحقيقية المبنية على الدين لا على البرنامج السياسي في حد ذاته».
الجديد في الموضوع أن حديث أيمن وخديجة يعبران فعلاً عن ولادة فكر معارض جديد لم يكن حاضراً في تونس، وهو «فكر موجود في الدول ذات التقاليد الديموقراطية في أوروبا والغرب»، على حد تعبير أيمن نفسه. وقد قسمت نتائج الانتخابات العاصمة إلى منطقتين: منطقة مساندة لصعود «النهضة»، وخصوصاً في الأحياء الشعبية جنوب العاصمة وغربها، ومنطقة أخرى في الأحياء الراقية ترفض ذلك «الاكتساح» الهائل للحركة الإسلامية في المجلس التأسيسي. في الأحياء الشعبية، حيث رصدت «الأخبار» أجواء التجاوب مع نتائج الانتخابات، يمكن ملاحظة النساء يطلقن أساريرهن بالزغاريد، بينما الرجال يتبادلون التهانئ بفوز «الإسلام» على أهل «الإلحاد».
وفي السياق، يقول الشيخ علي، الذي تناهز سنّه الـ70، إن «فوز النهضة هو تعبير عن التزام الشعب التونسي بهويته الإسلامية والعربية». ويتابع: «نريد أن نوصل رسالة إلى العالم تفيد بأن تونس ليست تلك البلاد المنسلخة عن هويتها». وبلغة تحدٍّ، يختم كلامه بـ«نحن مع النهضة ومع النهج الإسلامي في الدستور، ولو كره الكارهون».
إحدى النسوة الحاضرات أمام أحد المقارّ المحلية للحركة، تلفت إلى أنها «غير خائفة من الحركة»، على قاعدة أن حقوقها كمرأة ستضمنها الحركة. حتى إنها تشرح رأيها بأنها ليست خائفة من قضية تعدد الزوجات؛ لأن الحركة حسمت الموضوع في برنامجها الانتخابي. وقد جعل مشهد النسوة أمام مقر النهضة المحلي، جنباً إلى جنب مع الرجال يعبرن عن سعادتهن، مراسل إحدى القنوات الأميركية يعلق بأن «النهضة استطاعت فعلاً كسب الرهان» السياسي. رغم ذلك، يطرح هذا الرهان العديد من الإشكاليات على المراقبين الدوليين، بشأن الكيفية التي ستتعامل بها البلدان الغربية والقريبة مع سلطة سياسية في تونس تغلب عليها التوجهات الإسلامية.