رامي دونجوان يغني «ضد الحكومة». موسيقى الراب وإيقاعات الغضب متلاحقة في كلمات لا تخفي الوجع من المهانة، والكرامة الضائعة، لا تحمل أفكاراً سياسية، ولا برنامجاً للغضب، بل فقط تحريضاً على عدم السكوت ومواجهة تقوم على فكرة «أن لك قيمة».

غضب من أجل «الفرد»، ربما من دون وعي كامل بثقافة الحريات والحقوق الفردية، في مناخ لا يخلو من فاشية اجتماعية ترد على الاستبداد العنيف من السلطة. الأشواق إلى «مواطن محترم» تتسرب عبر أغنية رامي الدونجوان، وفرق راب مصري تغني لـ«للثورة» و«الثورجية» وللهبّات المتمردة على الظلم اليومي، تستعير مزاج ثورات أوروبية وأميركية، ذات طابع اجتماعي، يهتم بمواجهة مع الرمز المباشر للسلطة: عسكري البوليس ببذلته السوداء، وأدواته المستوردة خصيصاً لقمع التظاهرات، وسطوته المعتمدة على خلطة الفساد والاستبداد، أو الرشوة والضرب.
حرب على الشارع بين شباب عينه على موديلات ١٩٦٨ والهيبيز، بما تفجره من طاقات، وبين قوات أمن مركزي متخصصة بمظهرها اليومي في وأد التظاهرات. المزاج الرومانسي منحته «ثورة الياسمين» هدية كبيرة، رد فعلها الأول كان اتفاقاً على موعد الثورة في ٢٥ كانون الثاني. اتفاق صادم، ومتعجل، ومتطرف في البحث السريع عن نسخة مصرية من «ثورة الياسمين».
الموعد يوم عيد الشرطة، وضد بلطجتها وانتهاكها المنهجي لحرية الناس في مصر وكرامتهم وحقوقهم. اختيار ذكي لكنه وليد الحماسة، أو رغبة في اصطياد «العفوية»، التي كانت محرك «الثورة التونسية».
إنه الهوس بالشارع، والمواجهات المباشرة مع قوات أمن أصبحت مدربة منذ ٢٠٠٥ على حرب يومية، وتحتاج اليوم إلى خيال جديد، أكثر من الحماسة الجديدة.
الحرب على الشارع في مصر لها تاريخ مختلف، منذ أن كسر حاجز الخوف في ٢٠٠٤، وتعاملت معه السلطات بذكاء لم يكن متوافراً في سلطة زين العابدين بن علي.
بن علي رتب سلطته على الحيلة والبطش. الاحتيال بقي حتى حين ضعفت يد البطش، وهذا ما ظهر في خطاب الهروب الذي كان جزءاً مهماً في استكمال مشهد الثورة، حين خلا من نبل زعماء، وأسهمت تفاصيل الهروب وما تلاها من محاولة حرق تونس بميليشيات المافيا الحاكمة، في حرق جسور عودة الرئيس إلى عرشه.
السلطة في مصر تعاملت من البداية بذكاء الموظف، حكمت الوعود بالظروف، ونفست الغضب عبر انفراجات قصيرة المدى، وفتحت الملعب أمام الجميع لتدخل المعارضة كلها اللعبة، لكنها وفق قانون السلطة وعبر صفقاتها.
ترويض الغضب أفقد المعارضة قوتها الحيوية، وحاصرها في صفقة الوجود بخطاب «مستأنس»، يراعي الخطوط الحمراء، والتوافق مع السلطة الغاشمة بسلاح البيروقراطية الناعم.
لم تخرج المعارضة المصرية، كما حدث مع المعارضة التونسية التي كونت خطابها الحاد، بدون خطوط حمراء، في الخارج، وتواصلت معه قطاعات اعتمدت على ثورة الاتصالات. المعارضة المصرية احتفظت بخطابها المهادن في الأجندة الداخلي، والمتطرف في ما يتعلق بالقضايا الكبرى والانتماءات الدينية والقومية.
بدت المعارضة المستأنسة فجوة سوداء تمتص جانباً حيوياً من طاقة قوى التغيير، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين المعتمدة على نجاحها في استقطاب شرائح واسعة من باب أن الاحتجاج باسم الدين لا يتصادم مع سلطة تنافس على امتلاك «القناع» الديني للدولة. وبهذا النجاح وضعت نفسها بديلاً «افتراضياً» لنظام مبارك، تحت شعارات تداعب الحس الديني وتلعب على مشاعر اليأس من حياة محترمة، والبحث عن طريق للجنة.
الجماعة في نوباتها المتراجعة توافقت مع مزاج السلطة، وأرخت قلاعها، وأربكت سفينة المعارضة، الجريحة أصلاً، برغبتها في القيادة حسب اتجاهات رياحها، ولم يبق أمامها الآن إلا تقديم نصائح للنظام لكي يتجنب الثورة الشعبية، كأن الجماعة تضخ الدماء في جسد يضربها بعنف.
هكذا وصلت رائحة الياسمين إلى القاهرة والمعارضة التقليدية، جثث طافية فوق ماء يغلي. الطفو يبدو من بعيد، وأمام كاميرات الفضائيات، هي الحضور الحي لقوى التغيير.
من هذه المسافة بين حكمة الجثث الطافية للمعارضة التقليدية وجنون غاضب لشباب يضرب موعداً للثورة على شبكات التواصل الاجتماعي، يتولد وعي جديد وصلته الهدية التونسية، ويحاول الآن فتح صناديقها، ليدرك أن التغيير ممكن، وإزاحة الجسد العجوز لأنظمة «الاستعمار الوطني» اقتربت، لكن ليس على طريق الاستنساخ، لكنها روح تبحث عن «سياسة» جديدة تحاول بناء دول، لا مستعمرات للحكام وحاشيتهم، يُلهون فيها الشعوب بمحاربة أعداء خارجيين، بينما العدو في الداخل أكثر خطورة.