القدس المحتلة | ربما لم تعد سجون الاحتلال الإسرائيلي تتسع لمزيد من الفلسطينيين، فاختار أن يسجن المواطنين داخل قراهم، وخاصة في ضواحي القدس. هذا جزء من العقاب الجماعي للقرى التي يثور أهلها على المحتل وسياساته التي تمارس ضدهم، بدءاً من منعهم من دخول المسجد الأقصى، وفي المقابل تكرار اقتحامه، ثم محاولة تصفية الفلسطينيين على أيدي المستوطنين بالدهس أو السلاح.


أصبح ردّ الاحتلال على القرية التي تثور إغلاقها بالحواجز الاسمنتية والعسكرية، عدا استخدام أسلحة متعددة الأنواع والأحجام ضد تظاهرات شبابها. وأخيراً باشرت قوات الاحتلال إغلاق قرية حي الثوري وصور باهر والرام، قضاء القدس، بعد سلسلة الاحتجاجات على استشهاد كل من غسان وعدي أبو جمل في عملية الكنيس اليهودي، ومن قبل هذه المناطق أغلقت قرية العيساوية، لكن لاحقاً أزيلت عن مداخلها الحواجز الاسمنتية إثر مظاهرة شارك فيها المئات من أبنائها.
ويستمر حالياً إغلاق صور باهر التي تقع جنوب القدس المحتلة، ومعها التضييق على 27 ألف يقطنونها، وذلك بعدما شدد الخناق حولها بإغلاق جميع مداخلها بالحواجز الاسمنتية، ليبقي الاحتلال منفذاً واحداً لأهلها. على هذا المنفذ يدخل ويخرج الناس من القرية وإليها، لكن هناك حاجزاً عسكرياً ينكّل عليه بكل من يمر، أكان راجلاً أم راكباً. وعملية الدخول أو الخروج صارت تتطلب ساعة كاملة، فيما يفتش الجنود كل شخص من «ساسه لراسه»، وأيضاً من غطاء المحرك إلى صندوق السيارة.
أما الطلاب، فيضطرون إلى الترجل من السيارات والباصات ليقطعوا الحاجز مشياً، كي يضمنوا وصولهم إلى المدرسة، حتى ولو بعد نصف ساعة من بداية الدوام.
يقول مدير شركة حافلات «صور باهر» للنقل العام، رأفت نمر، إنهم يضطرون إلى الخروج قبل ساعة من موعد إحضار الطلاب من خارج القرية ليتمكنوا من إيصالهم إلى مدارسهم في الموعد المناسب قدر الإمكان. ويفيد بأن حافلات الشركة وغيرها تضررت من إغلاق القرية وحصر الخروج والدخول بحاجز واحد، إذ انخفض عدد مرات خروج الحافلات من القرية إلى النصف، ما سيضطر الشركة إلى إغلاق أبوابها قريباً، فتكلفة «التحميل ازدادت، ولم يعد هناك عدد كبير من النقلات للتعويض».
بعض من ليس لهم أعمال كثيرة خارج القرية قرروا أن يبقوا فيها كي لا «يحرقوا أعصابهم»، ومنهم المواطن حمزة عميرة الذي لم يغادر «صور باهر» منذ أسبوع، على عكس عادته، كذلك منع الحاجز توجهه إلى القدس القديمة والصلاة في الأقصى.
بالانتقال إلى حي الثوري الذي يسكن فيه ذوو الشهيد معتز حجازي، منفذ محاولة اغتيال المتطرف ايهودا غليك، فالحال شقيقة الهمّ. مثل «صور باهر»، أغلق الاحتلال القرية مرتين، الأولى بعد قتله حجازي، والثانية كانت بعد عملية الشهيدين أبو جمل. المختلف في الحي أنه يجري إغلاقه بالمكعبات الاسمنتية من دون الحواجز العسكرية، وهذا يدفع المواطنين إلى المرور عبر طرق التفافية، وأيضاً يتأخر العاملون والطلاب عن مصالحهم.

أشد المتضررين من صعوبة التنقل سيارات الإسعاف والطلاب

وإن كان الحديث عن الأكثر تنكيلاً، يمكن النظر إلى بلدة الرام التي يؤثر الإغلاق فيها في سكان مخيم قلنديا المجاور، وهم يتوجهون عادة من رام الله والقدس وإليهما. فعدا إغلاق الاحتلال المدخل الشمالي للبلدة بالمكعبات الاسمنتية، ينعكس الإغلاق على دخل المحال التجارية التي تقع في طريق المدخل الشمالي، كذلك عمل الاحتلال أيضاً على إغلاق طريق جبع المجاور للبلدة، محدثاً أزمة مرورية خانقة لا يخرج منها المواطن إلا بعد أكثر من ساعتين.
ومثلما يتضرر المواطن العادي، يكون للخدمات الطبية معاناتها، إذ يؤثر تحويل قرى القدس إلى «سجون كبيرة» في عمل سيارات الاسعاف ومنعها من الوصول إلى الأماكن التي تستدعي نقل المصابين والمرضى إلى المستشفى. يقول مدير الإسعاف في الهلال الأحمر الفلسطيني، أمين أبو غزالة، إن الاحتلال يتعامل مع سيارات الهلال كأنها جزء من انتفاضة الشبان عليه، وخاصة بعد رفض سيارات الإسعاف الإسرائيلية دخول المناطق العربية. ولفت أبو غزالة إلى أن الجنود لم يعطوا سياراتهم أي تسهيلات للوصول إلى أماكن المواجهات وعلاج الإصابات هناك أو نقلها إلى المستشفى، بل عمدوا إلى منع فتح أي حواجز قائمة، وهو ما يزيد حالات العلاج الميداني.
ويرى أهل القرى المغلقة أن هذه السياسة ستزيد حدة التوتر في المدينة، إذ إن غالبية قراهم لا توجد فيها الاحتياجات اللازمة للمواطنين، كالمستشفيات والأسواق. هنا يقدر المحلل السياسي، فضل طهبوب، أن «الإسرائيليين لا يريدون تهدئة الوضع القائم في القدس، ولذلك يستمرون في إغلاق القرى، كما يستمر اقتحام المستوطنين للأقصى». وختم طهبوب بأن «هدف الاحتلال عزل القرى الفلسطينية عن القدس لتخفيف عدد السكان العرب فيها، فضلاً عن التمهيد لضمّها إلى الضفة المحتلة لاحقاً وعزلها عن المدينة المحتلة».