عمان | في ظل مطالبة الحكومة الأردنية بقرض يبلغ 150 مليون دينار أردني (210 ملايين دولار أميركي) من البنك الدولي، يكشف نواب ومحامون النقاب عن شبهة فساد تقدر قيمتها بـ40 مليون دينار (57 مليون دولار) بعد تنازل أمانة عمان الكبرى عن مستحقاتها على أكبر شركة دعاية وإعلان في المملكة تعود ملكيتها إلى مستثمر صاحب نفوذ مع مؤسسة القصر الملكي.


هذا المشهد يأتي بعد ثلاثة أعوام هي جملة سنوات الحراك الشعبي التي طالب الشارع فيها بإصلاح المنظومة الاقتصادية والسياسية، وكان المطلب الأكبر هو محاربة الفساد الذي يرهق ميزانية الدولة. رغم ذلك، لم يسمع صدى الصوت في بعض الأروقة، ومنها أمانة عمان الكبرى التي أسقطت دعوى قضائية رفعها أمينها السابق، عمر المعاني، ضد أكبر شركة دعاية وإعلان في الأردن، ومالكها جمال الراسخ (خال الملكة رانيا العبدالله)، بسبب الأموال المستحقة عليه منذ عام 2007 وتقدر بحوالى 40 مليون دينار (57 ملايين دولار). هذا المبلغ تراكم بعد أن رفضت الشركة منذ سبع سنوات دفع الرسوم والعوائد المالية بناءً على ما قالت إنه «خلافات مالية بشأن الرسوم»، الأمر الذي اضطر الأمانة والشركة إلى التواجه لدى القضاء.


نائبة في البرلمان
تتّهم جمال الراسخ باستغلال قرابته
بالقصر
بداية الحدث، أقرّت هيئة مكافحة الفساد خسارة الشركة للقضية، وبقي الأمر معلقاً حتى جاء الأمين الحالي للأمانة، عقل بلتاجي، ليسقط حق الأمانة لدى القضاء، وفق ما أكد مصدر يعمل في الأمانة، فضّل ألا يذكر اسمه. المصدر قال لـ«الأخبار» إن الأمانة نفذت تسوية مع شركة «الراسخ» منذ مدة بعد إغلاقها الملف، مشيراً إلى أنها تنازلت عن حقها في القضية بعد إجراء مصالحة مالية تدفع بموجبها الشركة نحو 2.6 مليون دينار (3.8 ملايين دولار) من أصل الأربعين مليوناً (57 مليون دولار)!
أول من فتح النار على بلتاجي هو النائبة هند الفايز التي تساءلت: «هل من المعقول، بعدما أقرّت «مكافحة الفساد» أن شركة الراسخ خسرت القضية، أن تأتي الأمانة للتنازل عن حقها وعمل تسوية بمبلغ أقل من الاستحقاق، بل تمدد العمل مع الشركة لمدة 4 سنوات أخرى؟». وتضيف لـ«الأخبار»: «أساس القضية هو التلزيم، وكان يكفي خسارة الأمانة سبع سنوات».
وكان الاتفاق بين الأمانة والشركة يقضي بأخذ الأخيرة الحق الحصري في النشر عبر لوحات الإعلانات الكبرى في العاصمة، ما منع الأمانة خلال السنوات السبع من الاستفادة من تلك اللوحات عبر أي مناقصات، علماً بأن شركة «الراسخ» كسبت قراراً قضائياً يمنع إزالة اللوحات الإعلانية، فاستمرت في وضع الإعلانات، ما جعلها تكسب عوائد مالية كبيرة من دون أن تدفع أي رسوم أو عوائد إلى الأمانة بحجة توقف القضية إلى حين فصل القضاء فيها.
هذا دفع الأمين الحالي، بلتاجي، وفق مصدر آخر في الأمانة، إلى حل المشكلة بأي طريقة، مستدلاً على ذلك بالقول: «الأمانة ليست بصدد التسوية مع الراسخ فقط، بل هناك شركة أخرى يجري حل قضية معها». في مقابل ذلك، اعترضت النائبة الفايز بالقول: «ما الذي يميز هذا المستثمر عن أي مواطن آخر... لأنه خال جلالة الملكة فقط؟»، متابعة: «كيف نستخدم المعايير المزدوجة وندّعي الإصلاح؟». ودعت في الوقت نفسه إلى «ضرورة وضع حدّ للراسخ الذي يجري اتصالات مع وزارة الأشغال والبلديات والمستثمرين بصفتة أنه من مكتب الملكة، كما يستغل صلة القرابة في تسويات على حساب المصلحة العامة».
«الأخبار» اتجهت إلى المحكمة للاطلاع على تفاصيل القضية، وتبين أنه رغم الحديث عن التسوية فإن القضية بين الأمانة والشركة لا تزال قائمة إلى هذا الوقت. أما عن حظر أمانة عمان الكبرى طرح عطاءات للوحات الإعلانية منذ 2007 واستمرار شركة «الراسخ» في الاستفادة منها، فيقول المحامي طاهر نصار: «في هذه الحالة يجب قانونياً على الشركة أن تدفع الرسوم والضرائب المترتبة عليها، وإن منحتها المحكمة حق الاستمرار في وضع اللوحات فإن هذا ليس إعفاءً لها من المستحقات».
يكمل نصار لـ«الأخبار»: «هذه القضية تحمل فساداً واضحاً للعيان. فمنذ الخطوة الأولى لا يجوز للأمانة أن تتنازل عن حقها، لأن هذه الأموال هي من خزينة الدولة ومن حق المصلحة العامة»، مستدركاً: «كان يمكن للأمانة أن تخفض قيمة الفوائد المترتبة على الشركة. لكن أن تغلق الملف وتتنازل عن 37.4 مليون دينار (54 مليون دولار)، فهذا فساد معلن».
ولفت إلى أن هناك خطوة أخرى غير قانونية «وهي منح الأمانة 3 لوحات امتياز للراسخ من دون أي سبب... هذا الفساد بعينه».
مع تقديم مبرر الأمانة وردّ النائبة والمحامي، يربط مراقبون المشهد بتوقف معادلة الإصلاح منذ انتهاء نزول الحراك إلى الشارع، كذلك يشيرون إلى ضرورة الالتفات إلى أن تعيين أمين عمان لا يزال بقرار من مؤسسة الحكم.
تعليقاً على ذلك، يرى الناشط السياسي في الحراك الشعبي، علاء الملكاوي، أن هناك «قوى خفية» ضغطت على بلتاجي للتنازل، «فهو لم يشر إلى أن قراره نابع من شورى مع أعضاء الأمانة». واستنكر الملكاوي في حديث مع «الأخبار» خطوة التنازل عن 40 مليون دينار بالتزامن مع توجه الحكومة إلى البنك الدولي لطلب 150 مليوناً من أجل ميزانية الدولة، «في حين أن الأمانة تصادر بالقوة بسطات في السوق تعيل 370 عائلة بأيتام وفقراء بحجة أنها لا تريد بسطات داخل عمان، وهي لا تستطيع الوقوف في وجه المتنفذين؟».
هذه ليست القضية الأولى التي أثارت استياء النواب والشارع في الأردن، لكنها الأبرز في هذه المرحلة التي تمر فيها البلاد بأزمة تتفاقم مع وصول عجز الموازنة إلى مليار دينار (1.4 مليار دولار) وارتفاع الدين العام إلى 20 مليار دينار (28 مليار دولار).