خالد جمعة

المرة الأولى التي أخرجُ فيها من قطاعِ غزّة كنتُ في السادِسة، في عطلةِ الصف الأوّل الابتدائي. رجلٌ بشاحِنة كبيرة، أخذني أنا وأخي لنزورَ أبي حيثُ يعمل في إحدى البيارات في الداخل المحتلّ. كانَ أبي مسؤولاً عن البيارة التي تمتدّ على مساحةِ أكثر من مئة دونم. كان يعود إلى البيت في رفح كل شهر، أما بقية الوقت فهو في هذه البيارة التي يعتبرها بيارته الشخصية، ليس لأن أبي مخلص في عمله وحسب، بل لأن هذه البيارة بالذات كانت بيارة برتقال.

يشرحُ لي أبي عن البرتقال ما سيغرسه الزمن في رأسي الصغير إلى اليوم، يأخذني بين صفوف الأشجار، ويكلمني عن كل شجرة كأنها كائن مستقل عن بقية الأشجار، هذه الشجرة تؤوي إليها عصافير أكثر من البقية؛ لأن أغصانها متشابكة وتخفي الأعشاش بشكل أفضل. هذه الشجرة مريضة؛ لأن جذرها تعرى من المطر السابق، فكان لا بد أن نضع التراب أعلى من المنسوب كي يغطي جرحها، ونصل إلى نهاية البيارة ونعود من خلال سطر آخر من الأشجار ويشرح لي بنفس الطريقة.
في تلك الأيام كنت أتساءل بدهشة عظيمة، كيف يميز أبي بين الأشجار، إنها آلاف من الأشجار وكلها تشبه بعضها، فكيف يمكنه أن يعرف كل ذلك، وبالطبع لم أتوصل إلى إجابة إلا بعد وقت طويل.
بعد سنوات طويلة ينتهي عمل أبي في تلك البيارة، ويبدأ في العمل في بيارات غزة، وأكاد أجزم بأنني زرت معه جميع بيارات غزة واحدة واحدة، فقد كان يعمل مع أشخاص لا يعرفون شيئاً عن البرتقال، فقط يدفعون المال للتجارة فيه، أما بقية العملية من «ضمان» البرتقال إلى تصديره، فكان من اختصاص أبي، وكانوا يأتون في آخر العام فقط للحساب والاتفاق على عمل السنة القادمة.
أبي كان يعرف بيارات غزة شبراً شبراً، فقد كنا مرةً نتمشى في سوق فراس في غزة، وكان هناك رجل على عربة يبيع البرتقال، فأمسك بحبة وشمّها، وفحص عنقها وعرضه عليّ، وقال: انظر، عندما يكون الماء ينزُّ من العنق، فهذا يعني أن البرتقالة مقطوعة حديثاً، بما معناه أن هذا الماء هو دمع البرتقالة على فراق أمها، وهذه معلومة صحيحة، وإن اختلفنا في تفسيرها. أما المدهش في المسألة، فهو أن أبي سأل صاحب العربة: هذا البرتقال من بيارة الشوا صحيح؟ فدهش الرجل وقال: نعم يا حاج، الله يعطيك الصحة. لقد ميز أبي مصدر البرتقال في مكان لا يحتوي إلا على البرتقال، فكيف استطاع ذلك؟ لا أعرف حتى الآن.
عندما كبرت قليلاً، صار يشرح لي أبي أشياء أكثر تعقيداً، يمشي بي بين الأشجار ويشير: انظر، هذا اسمه خشخاش، ويزرعه الناس عادة حول البيارات لأنه مُرّ، فمن أراد أن يسرق برتقالاً فإنه سيجد الخشخاش في أول الصف، فسألته بسذاجة، ولماذا يزرعونه إذا كان مُرّاً، فقال وهو يضحك: لأنه لا يمكن زراعة البرتقال من دونه؛ فهو الشجرة الأساسية التي يضاف إليها «الرقعة» التي تجعل الشجرة برتقالاً أو ليموناً أو أو...
علمني الفرق بين الكلمنتينا والمندلينا، والفرق بين الجريبفروت والبوملي الذي كنت أعشقه، هذا ليمون وهذا ليمون سكري، هذه بالنسيا وهذا شموطي، هذا الفرنسي أو الفرنساوي السكري وهذا أبو صرة، وكان هناك قليل من أصحاب البيارات يزرعون «دم الزغلول» وهو برتقال قلبه أحمر مذهل الطعم. علمني كل ذلك، إضافة إلى طريقة جمع البرتقال، وكيف أن عليّ أن أقص العنق من آخر البرتقالة ولا أترك فيها زوائد كي لا تجرح أخواتها، علّمني كيف أكون برتقالياً.
حين كان يدخل بيارةً، لكي يتفق مع صاحبها على الثمن، يمشي فقط بين الشجر مشواراً واحداً، ويعود ليقول: هذه البيارة فيها خمسون طناً من البرتقال، ويكون الاتفاق حسب الرقم الذي يقوله أبي، ولم أشاهد أحداً يراجعه يوماً في الرقم الذي يقوله؛ لأنه بكل بساطة صحيح بدرجة تقترب من الإطلاق؛ فهو معروف بيده وعينه اللتين لا تخطئان. يضع بيده شيئاً في كيس ويعطيه للبائع ويقول: هذه ثلاثة كيلوغرامات، فلا تضع حبة زيادة ولا ترفع حبة.
إذا كان البرتقال شجرة مفضلة لكثير من الفلسطينيين، فإن أبي أعطاها بعداً إضافياً بالنسبة إلي، حيث ارتبطت شجرة البرتقال به في ذاكرتي. وتلك الرائحة التي كانت تعود معه من العمل، لا يمكن نسيانها، حيث يختلط عرقه مع رائحة البرتقال والرمل، فتنتج رائحة لا يمكن أعتى كيميائي باريسي أن يصل إليها: إنها رائحة الذاكرة.