الخرطوم | بعد إعلان المجلس العسكري عزمه تأليف حكومة تكنوقراط «في أسرع وقت» قبل الدعوة إلى انتخابات من قِبَله، وذلك على لسان نائب رئيس المجلس محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي»، أول من أمس، عاد رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، أمس، إلى لغة التهدئة، داعياً قوى «إعلان الحرية والتغيير» إلى العودة إلى طاولة المفاوضات «في أسرع وقت»، في ما يُشبه توزيع أدوار يستهدف امتصاص غضب التحالف المعارض الذي عاد إلى خيار الشارع، من خلال تنظيم تظاهرات ليلية «لتحقيق أهداف الثورة». كما أن هذا التناوب يمثل مسعًى متجدداً لتحسين صورة المجلس دولياً، في ظلّ وساطة أفريقية يقودها رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مدعومة من الولايات المتحدة وأوروبا التي تشترط سلطة مدنية لتطبيع العلاقات، في تباين مع رؤية الداعمَين الإقليميَّين الرئيسَين (السعودية والإمارات) التي تتّسم بـ«التهوّر». تباينٌ يفسّره وجود اعتبارات أخرى لدى الغرب تتصل بالاستقرار الأمني، من دون أن يعني ذلك أن الرؤية الغربية تصبّ في منحى مغاير لمساعي إجهاض الحراك الشعبي.

عزم المجلس إجراء انتخابات أكده البرهان أمس في خطاب أمام مهنيين في الخرطوم، لكنه قال إنهم «مستعدون للرقابة الدولية» عليها، كما أكد «جاهزيتهم» لإجراء «أي مفاوضات» بهدف ثني قوى «الحرية والتغيير» عن التصعيد. إلا أنه بإعلانه أنه لن يقبل «بأيّ حل يُقصي أيّ سوداني»، لمّح إلى ضرورة إشراك قوى سياسية يعمل منذ مدة على التعاون معها لإمرار رؤيته للمرحلة الانتقالية، بعضها كان مشاركاً في النظام البائد، على سبيل المثال «الحزب الأهلي السوداني»، الذي وحّد زعماء الإدارة الأهلية في كيان سياسي بمباركة «حميدتي»، الذي أحلّهم أول من أمس محلّ المجلس، حتى يتولّوا تفويضه تأليف حكومة «تكنوقراط». ومن بين هذه القوى أيضاً، «تنسيقية القوى الوطنية» التي تضمّ سبع كتل سياسية وحركات مسلحة شارك أغلبها في «الحوار الوطني» مع نظام الرئيس المعزول عمر البشير عام 2014، واستقبل «حميدتي» ممثليها في القصر الجمهوري قبل أيام، حيث أيّدوا تأليف الحكومة، وهم مندوبو معظم القوى السياسية التي هي خارج تحالف «الحرية والتغيير» («الاتحادي الديموقراطي الأصل»، و«المؤتمر الشعبي»، ومجموعة أحزاب «اتفاقية الشرق»، ومجموعة أحزاب «اتفاقية الدوحة»)، والحركات المسلحة التي وقّعت اتفاقيات مع نظام عمر البشير، إضافة إلى حركة «النهضة والتغيير» بقيادة غازي صلاح الدين، ومجموعة «تحالف 2020».

يعود الوسيط الإثيوبي اليوم إلى الخرطوم للدفع نحو استئناف المفاوضات


اتجاه مجلس البرهان إلى التهدئة يأتي قبل يوم من وصول الوسيط الإثيوبي إلى الخرطوم للدفع نحو استئناف المفاوضات، وقبل اجتماع وزراء خارجية «الشركاء الإقليميين للسودان» (إثيوبيا وتشاد وجمهورية الكونغو وأفريقيا الوسطى وجيبوتي وكينيا ورواندا والصومال وجنوب أفريقيا وجنوب السودان وأوغندا ونيجيريا وإريتريا) في مقرّ الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا اليوم، من أجل «توفير مناخ» مؤاتٍ يحفز الأطراف على الحوار.
في ضوء ذلك، ثمة تفاؤل لدى قوى «الحرية والتغيير»، التي لا تزال تلوّح بخيار الشارع، بتطبيق «اتفاق» (غير معلن) مع «المجلس العسكري»، كشف عنه قيادي بارز في التحالف المعارض لـ«الأخبار»، مشترطاً عدم ذكر اسمه. ويقضي هذا الاتفاق المفترض بإنشاء «مجلس سيادي» من 15 عضواً (14 ورئيس)، على أن يتناصف الطرفان العضوية، ويتم التوافق على شخصية لترأس المجلس خلال الفترة الانتقالية، ما يعني حصر الخلاف في شخصية رئيس المجلس الذي يمثل رأس الدولة. وأشار القيادي إلى أن «الوسيط الإثيوبي سيعود إلى الخرطوم غداً الخميس (اليوم)، حاملاً رؤية رئيس الوزراء آبي أحمد حول المقترحات التي سُلّمت إلى طرفي التفاوض، والمتعلقة بحلّ الأزمة، لا سيما في شأن الخلاف حول المجلس السيادي»، مضيفاً أن «حالة التصعيد ليس لها صلة بمسار التفاوض». وأكد أن «طرفي التفاوض لن يختارا إعلان أي حكومة من طرف واحد»، مبدياً الاستعداد لحل مشكلة «التشريعي»، والتي طُرحت أخيراً «من خلال التنازل عن بعض من نسبة الـ67 في المئة، مع الاحتفاظ بالأغلبية في المجلس لمصلحة قوى إعلان الحرية والتغيير»، متابعاً أن «تلك المرونة هدفها استيعاب آخرين من المكونات السياسية والمجتمعية». وكشف القيادي عن لقاءاتٍ عُقدت «مع سفراء دول خارجية، على رأسها الإمارات والسعودية»، متحدثاً عن «إرسال رسائل إيجابية عن علاقات السودان الخارجية، مع تبديد كل المخاوف المتعلقة بها خلال الفترة المقبلة».