القاهرة | كشفت وثيقة المبادئ، التي اعتبرتها القاهرة وأديس أبابا والخرطوم «اتفاقاً تاريخياً» يأتي كخطوة أولى في طريق حل الخلاف والتوافق السلمي بين الدول الثلاث لحل المشاكل العالقة بشأن إدارة المياه في حوض النيل الشرقي النابع من الهضبة الإثيوبية وتحصل منه مصر على 85% من حصتها السنوية من المياه، عن عشرة مبادئ أساسية تحتكم إليها الدول في اتفاقيات مستقبلية حول مياه النيل.


الاتفاقية التي أُعلن، رسمياً، عن بنودها أمس خلال القمة المصرية السودانية الإثيوبية، باسم «اتفاق حول اعلان مبادئ»، نصّت على التزام الدول الثلاث بعدد من المبادئ لإحكام عملية إدارة نهر النيل. وشملت هذه المبادئ التعاون من خلال التفاهم المشترك، وحسن النيات، وتفهّم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها، ومبدأ التنمية بعد إيضاح أن الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة، المساهمة في التنمية الاقتصادية، ومبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن، ومبدأ الاستخدام المنصف والمناسب، الذي نص على أن تستخدم الدول الثلاث مواردها المائية المشتركة في أقاليمها بأسلوب منصف ومناسب، باعتبار الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لدول الحوض المعنية، وعدد السكان الذين يعتمدون على الموارد المائية في كل دولة من دول الحوض، ومبدأ التعاون في الملء الأول وإدارة السد من خلال تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام المخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الثلاثية للخبراء حول الدراسات الموصى بها في التقرير النهائي للجنة الخبراء الدولية خلال المراحل المختلفة للمشروع.

رغم الإيجابيات لا تزال
هناك تخوفات طاغية في القاهرة

كذلك تشمل المبادئ بناء الثقة، وتبادل المعلومات والبيانات، وأمان السد، والسيادة ووحدة إقليم الدولة، والتسوية السلمية للمنازعات.
ورغم الحالة الايجابية التي تحدث بها الرؤساء، إلا أن تخوفات لا تزال تدور بين المعنيين بملف مياه النيل في مصر، إذ لا تزال القاهرة تتعامل مع الاتفاق بحالة من الحذر، بينما حمل خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسي عدداً من الاشارات غير المباشرة إلى أن هذا الاتفاق لا تعتبره القاهرة نهائياً أو ذا صفة قانونية، لكنه بداية فقط لمرحلة من التفاوض يجري خلالها التباحث بين الدول الثلاث انطلاقاً من هذه المبادئ للوصول إلى اتفاقية جديدة بشأن إدارة مياه النيل، تكون مماثلة لاتفاقية 1959 التي تنظم إدارة المياه بين مصر والسودان.
وقال الرئيس المصري إن «هذا اتفاق إطار وسيكتمل. نحن اخترنا التعاون واخترنا (الثقة)... من أجل التنمية واستكمال هذا الاتفاق الاطار». وأضاف في حفل التوقيع «سنمضي قدماً في الطريق الذي اخترنا أن نسلكه سوياً حتى ننتهي للاتفاق على قواعد ملء خزان النهضة الإثيوبي وفق أسلوب يحقق المنفعة والتنمية لإثيوبيا دون الإضرار بمصالح مصر والسودان».
ويرى متابعون لملف مياه النيل في القاهرة أن «وثيقة المبادئ» ما هي إلا «خطوة لتحريك المياه الراكدة في الجانب القانوني المتعلق بإدارة ملف النيل»، حيث لا تزال هناك أزمة حقيقية منذ توقيع اتفاقية الاطار القانوني والمؤسسي، عينتيبي، والتي لم توافق عليها مصر ولا يزال الملف دون حسم نهائي من قبل الادارة المصرية، بعد أن قررت القاهرة تجميد عضويتها في مبادرة حوض النيل، ورفضت باقي دول منابع النيل العودة إلى التفاوض مرة أخرى حول الاتفاقية.
وتؤكد مصادر مصرية أنه «قد لا يمكن قياس المنافع والمكاسب المباشرة لمصر من توقيع هذه الوثيقة الآن، إلا أن وجود هذا الاتفاق قد يسهل على مصر إعادة فتح ملف الاتفاقيات القانونية والوصول الى صيغة تفاهم مع بقية دول حوض النيل، خاصة بشأن تقنين عملية إنشاء السدود التي أصبحت مطلباً ملحاً لجميع دول الحوض، بداية من إثيوبيا، خاصة أن القضية لن تكون مشكلة سد النهضة فقط بل سدود أخرى في قائمة الخطط والاستراتيجيات الإثيوبية للتنمية».
وفي الوقت ذاته، يرى محللون أن «إثيوبيا هي الآن الرابح الأول، خاصة أن الاتفاقية أوردت بنداً خاصاً بالاستخدام العادل والمنصف للمياه لكل دول تطل على النهر، وهو ما كانت مصر ترفضه في اتفاقية عينتيبي وتطالب بأن يكون مشروطاً بمصالح دول المصب، وعدم إلحاق الضرر بها».
وفي حديث إلى «الأخبار»، يقول الخبير في ملف أفريقيا ومياه النيل، هاني رسلان، إن «المكسب الحقيقي من هذه الاتفاقية يعود إلى إثيوبيا، خاصة أنه لا يتضمن نصاً صريحاً يلزمها بتبنّي أي سياسات تجنّب وقوع أي خطر على مصر جراء السدود الإثيوبية».
ويرى رسلان أن «النص الأكثر خطورة في الاتفاق هو إقرار مبدأ السيادة على الأراضي والموارد، الذي لن يكون في مجمله لمصلحة مصر، إذ يعطي لكل دولة، خاصة إثيوبيا، كامل الحق في التصرف في الموارد المائية الواقعة تحت ولايتها من دون الالتزام بتعهدات دولية».
كذلك، يحذر رسلان من «خطورة تجاهل الاتفاق القانوني لمبدأ اللجوء إلى التحكيم الدولي في حل المنازعات واقتصار الأمر على حسن النية والثقة»، مؤكداً أنه «في هذه الحالة لا يمكن الاستناد إلى طرف في حل أي من المشاكل التي قد تظهر، وهو ما يعطي الجانب الإثيوبي الحق في إتمام أي عمل يقدم عليه إذا لم يجد اتفاقاً مع مصر».
في المقابل، يقول أستاذ القانون الدولي، أيمن سلامة، إن الوثيقة «إطارية مبدئية، تضع الإطار العام لعمل سد النهضة الإثيوبي، وليست نهائية»، معتبراً أن «القانون الدولي لا يزال يحمي حق مصر في حصتها التاريخية، ويلزم إثيوبيا بعدم الاستخدام المجحف لحقها في مياه نهر النيل، وكل مواثيق ومعاهدات الأمم المتحدة تحظر الضرر الناتج من أي عمل داخل أي دولة، ما دام سيضرّ بدول الجوار». ويؤكد أنه «منذ توقيع هذه الوثيقة أصبح لدى إثيوبيا فرصة كبيرة في إعطاء الشرعية الدولية لسد النهضة، والحصول على القروض لاستكمال بناء السد».
عموماً، يرى المتابعون لملف حوض النيل أنه لم يكن هناك بديل آخر أمام القاهرة سوى التوصل إلى هذا الاتفاق، تأكيداً للرأي العام الداخلي والإقليمي أن مصر لا تقف أمام التنمية ولا تسعى للتصعيد والحرب مع دول منابع النيل، وخاصة إثيوبيا، في وقت باتت فيه أوراق التفاوض التي تملكها القاهرة ضعيفة في ظل استمرار تكتل دول منابع النيل ضدها وعزمها على استغلال موارد المياه.