على النقيض من كثيرين، شعرت بارتياح وسعادة غامرَين لظهور صبيّ الرياض، خالد اليماني، وزير خارجية ما يسمى «حكومة الشرعية»، في «مؤتمر وارسو»، إلى جوار رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب.

كانت غالبية اليمنيين والعرب ـــ للأسف ـــ على عتبة أسابيع من ولوج عام خامس من الصمود اليمني الفذّ في وجه ترسانة العدوان الإمبريالي الكوني، بحاجة إلى دليل مشهود لتستيقن من هوية الآخر العدو الذي يتلطّى خلف سحنات ودعاوى وألبسة ولافتات وطنية وقومية في حربه على شعبنا وبلدنا منذ أربعة أعوام، وتستيقن من أن المعركة التي يخوضها شرفاء اليمن وأحراره في مواجهته، معركة بالأصالة عن كل شرفاء العالم وأحراره، من صنعاء إلى كاراكاس، ومن صعدة إلى غزة ورام الله ودمشق وبيروت وبغداد وطهران.
ومع دخول عام خامس من الصمود اليمني الملحمي الفذ، بات جلياً لأذهان السذَّج وفرائس التلبيس الإعلامي المعادي أن إسرائيل ليست طاحونة هواء، ولا خيالاً نصبناه لاسترهاب أبصار العامة حين قلنا إن خليط عملاء الداخل ومرتزقته وعربان البترودولار ومَن ائتلف معهم في تحالف العدوان من عرب ومسلمين، هم محض قفازات مخاتلة، ترتديها إسرائيل لتواري خلفها بصماتها، تماماً كما يفعل اللصوص والهجّامة.
إن الصراع ليس صراع سحنات وملامح، بل صراع هيمنة ومحو واستغلال، تنتظم فيه قوى الشر وأدواتها في صعيد واحد على تباين أجناسها وألوانها، مقابل مشروع رفض وحرية وكرامة ينبغي أن تنتظم في صعيده كل قوى المقاومة والممانعة من كل جنس ولون، فكونية العدوان تقتضي كونية المواجهة.
إن عروبة اللافتة والدعوى التي رفعها «التحالف» ضدنا بدءاً، تسفر اليوم بوضوح عن عبرية الغايات المستهدفة من وراء عدوانه على بلدنا، فيما بات وصمُه لنا بـ«الفرس والمجوس» معادلاً موضوعياً لأصالة عروبتنا وتوجهنا الإسلامي وسلامة بوصلتنا الفكرية التي تشير إلى عدو واحد للعروبة والإسلام والإنسانية هو الكيان الصهيوني، بوصفه اختزالاً عملياً لجوهر الإمبريالية الغربية في مقتها وتوحشها وعنصريتها ومشروعها المعادي للبشرية جمعاء.
لقد هتكت ثورة 21 أيلول 2014 عِذار العفة الوطنية الزائفة لسلطة الإقطاع والوصاية المحلية، فتكشّفت هذه العفة عن عهر فاضح وتبعية مقيتة وعمالة صريحة تهاوى معها كبار أدعياء الوطنية والجمهورية والحداثة والديمقراطية كمومسات رخيصة على فراش غلمان الرجعية العربية، بعد حقبة من العمل كقوّادين لسفارات الغرب الإمبريالي ومصالحه الاستعمارية غير المشروعة.
واليوم، إن صمودنا الفذّ وبسالة مواجهتنا لتحالف قوى العدوان الكوني قد كشفت الوشائج العميقة لهذه السلطة مع الكيان الصهيوني، وأرغمتها على البروز من العتمة إلى واجهة المشهد قسراً تحت وطأة الهزائم المتلاحقة التي تجاوزت الأدوات المباشرة لتطاول المدير التنفيذي اللابد في الكواليس، مع أزَف سنة خامسة من عمر عدوانه على اليمن من دون بلوغ غاياته، وارتداد تبعات هذا الفشل بالضدّ لها، بما يهدد بنية سيطرته العميقة في الشرق الأوسط وإسرائيل وخليج البترودولار كمركز متقدم لها.
ليس صحيحاً أن حركة أنصار الله تكسب المعركة بغباء خصومها، بل تكسبها بصدقيتها مع شعبها وأمتها، ورسوخها في خندق القضايا المركزية العادلة العربية والإسلامية والإنسانية كثوابت مبدئية لا كتكتيك ومناورة، تماماً كما أن صلات خصومها ـــ الذين هم خصوم للشعب عموماً ـــ بمراكز الهيمنة الإمبريالية والصهيونية ليست صلات تكتيكية، ولا بنت اللحظة ووليدة راهن الاشتباك، بل مبدئية وعميقة وضاربة في جذور النشأة الأولى... ليتساوى في ذلك دخلاء اليسار والقومية وأدعياء التقدمية والنخب المعارضة مع اليمين الرجعي ومراكز قوى الإقطاع والحكم بالتبعية.
لم يقع اليماني بالخطأ في أحضان الكيان الصهيوني، بل وقع بالقصور الذاتي للدور والنشأة الذي ارتمى تِبعاً له رموز سلطة الوصاية البائدة في أحضان أربابهم الإقليميين وصولاً إلى تل أبيب، هرباً من ثورة شعبية أصيلة منتصرة ستسحب نفسها ولا ريب عميقاً على واقع المنطقة بأسرها وطبيعة معادلاتها، بدءاً من الطرف الجنوبي القصي للجزيرة العربية حيث تتحوصل سُرَّة المصالح الإمبريالية وهمزة الهيمنة الواصلة بين الشرق والغرب.
مفاجآت العام الخامس كفيلة بإجلاء ذلك بمنأى عن الرجم بالغيب.