في قصيدته «أنشودة المطر»، يصرخ الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب: «ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع». بلد النهرين، دجلة والفرات، تستوطنه المجاعة!

اليمن الفقير بالأنهار والأمطار، والمدجّج بالأمية والسلاح والقبائل المتحاربة عبر التاريخ، وطن حرب ومجاعة. حاكمه علي عبد الله صالح كان دائم التفاخر بأن شعبه يختزن ستين مليون قطعة سلاح، لكلّ مواطن أكثر من سلاحين.
يردّد المصري كل صباح: «يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم». ويردّد «المبندق» اليمني: «يا الله بحرب، والا حراب، والا مصيب من الرب!». فالحرب لدى المقاتل اليمني وسيلة الرزق وسبيله الوحيد.
ذات هزيمة، قال قائد تركي: «ما وجدنا لجيشنا مسبكاً كاليمن». ويردد بعض المؤرخين: «اليمن مقبرة الغزاة»، ولكنه حالياً مقبرة لأبنائه أيضاً.
ما مرّ عام ليس فيه حرب. تكاد الحرب تكون جزءاً من الذاكرة الوطنية، والتاريخ المكرور والمستدام. يشترط المذهب الزيدي في الحاكم أن يكون شجاعاً ومحارباً، وتقوم إمامة الحاكم على مبدأ الخروج ومعناه الخروج بالسلاح؛ لفرض سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني غير السلطة والاستنقاع فيها. الحرب ـــ بالأساس ـــ حرب أهلية شبه مستدامة، لكن التدخل الإقليمي حوّلها إلى حرب مركّبة، وأعطى لها البعد الإقليمي والدولي.
الحرب في اليمن وعليه لم تبدأ بانقلاب «أنصار الله» وعلي عبد الله صالح في الـ21 من أيلول/ سبتمبر 2014، ولا بتدخل «التحالف العربي». صحيح أن هذا الانقلاب والتدخل الإقليمي قد نشرا الحرب في اليمن كلها، وأعطيا هذه الحرب الكريهة أبعاداً إقليمية ودولية.
الحرب في اليمن، عبر التاريخ القريب والبعيد، لا علاقة لها بمذهب أو طائفة، وليست مقتصرة على قبيلة أو منطقة أو جهة. المأزق أن التركيبة المجتمعية القبائلية والجهوية هي جذر الحروب وأساسها، وهو ما فطن إليه عالم الاجتماع العربي، عبد الرحمن بن خلدون. وإذا كانت الحروب سبب دمار الحضارة اليمنية، فإن التصالح والتآخي أساس بناء الحضارة اليمنية، وقوة اليمن وازدهاره كما تشير آيات القرآن الكريم.
الحرب في اليمن ليست معزولة عمّا دار ويدور في سوريا والعراق ومصر وليبيا، وهي أيضاً من الممهّدات الأساسية لصفقة القرن.
بعد مضي أربعة أعوام على الحرب، والإمعان في تدمير الكيان اليمني، وتمزيق نسيجه المجتمعي، وتدمير وحدته الوطنية، فإن حسم الحرب بانتصار لهذا الطرف أو ذاك يُعدّ صعباً وشديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً. ويقيناً، فإن الحرب ـــ التي يُصيب دمارها اليمن كلّه ـــ لا بدّ أن تمتدّ آثارها الكارثية إلى الجوار والإقليم كلّه.
تاريخياً، لا تُحسم الحرب في اليمن بالانتصار. فمنذ الغزو الروماني قبل ميلاد المسيح ببضعة عقود، والذي انتهى بالانكسار على أبواب مأرب، وحتى هزيمة الاحتلال التركي عام 1918، وخروج آخر جندي بريطاني من عدن في الـ30 من تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، واليمن عصيّ على الاحتلال والاستعمار والتدخل الأجنبي، وحروبه الأهلية المستدامة لا تنتهي إلا بالتصالح. وإذا كانت هزيمة الحرب الإقليمية محتومة، فإن التصالح والتسامح والقبول بوقف الحرب والعودة للحوار هو السبيل الممكن والوحيد.