لندن | بعد «إسلاموفوبيا» إيمانويل ماكرون، ها هو اليمين البريطاني يفتح النار على رمز أماني الطبقة العاملة، جيريمي كوربن، مجدّداً، بتهم تتعلّق بـ«العداء للسامية»، لتُقدِم قيادة «حزب العمّال» على تجميد عضويّته وتحويله إلى التحقيق، فيما تشير تقارير في وسائل الإعلام الأميركية (والإسرائيلية) إلى أن مايك بومبيو يفكّر في وصم عدد من المنظّمات غير الحكومية البارزة - بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية» و«أوكسفام» - بأنها «معادية للسامية»، بسبب انتقادات (ملطّفة) نادرة لسلوك قوات الاحتلال الإسرائيلي.


بعدما أصبحت غالبية الطبقة العاملة البريطانية ترى في توظيف تهم «معاداة السامية» لاستهداف المعادين للهيمنة المتصهينة - محلياً وعالمياً - أمراً لا يعنيها، ها هو اليمين البريطاني يستعيد التهمة البالية ذاتها مجدّداً، ليفتح النار على شخص جيريمي كوربن، رئيس «حزب العمّال» السابق، ورمز أماني الطبقة العاملة بالتغيير السلمي من داخل المنظومة القائمة. ويأتي ذلك بعدما قدّمت لجنة أوروبية، راجعت أداء الحزب في ما يتعلق بـ«العداء للسامية»، تقريراً عن فترة رئاسة كوربن (2015 - 2019) زعمت فيه وجود عداء مؤسَّسي متصاعد للسامية داخل الحزب. تقريرٌ سارع على إثره (السير) كير ستارمر، الرئيس الحالي للحزب - يميني من أتباع توني بلير -، إلى تعليقٍ فوري لعضوية الرئيس السابق، ووضعه رهن التحقيق.
وفي الحقيقة، فإن «معاداة السامية» - بمفهومها المتعلّق بعداء بعض الشوفينيين الأوروبيين المتطرّفين لليهود كمجموعة بشرية - شحبت بشكل كبير في بريطانيا، ولم تعد بأيّ شكل قضية مطروحة في الفضاء العام. لكن مع نشر تقرير لجنة ما يسمّى بـ«المساواة»، فمن المؤكد أن الهجوم الطبقي لليمين سيَدفع إلى توظيف التهمة إلى حدّ الإفراط، ودائماً في إطار معناها المحدّث، أي «تهمة العداء للهيمنة، وإدانة جرائم الدولة العبرية». من المؤكد، أيضاً، انطلاقاً من الخبرة التاريخية، أن وسائل الإعلام البريطانية - يهيمن عليها اليمين - تشحذ سكاكينها لشنّ هجوم شامل في مواجهة تململ الطبقات الشعبية نتيجة مترتّبات جائحة «كورونا»، مستهدفةً يسار «حزب العمل» بشكل خاص، وكلّ معادٍ للهيمنة المتصهينة، بشكل عام، خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وإذا كان السلوك السابق مؤشّراً إلى السلوك في المستقبل، فإن اليسار الليبرالي سوف ينضمّ إلى الحملة المغرضة بصفاقة، وسيدعو إلى فرض مزيد من الضغوط (القانونية شكلاً) على يسار اليسار.
وعلى الرغم من أن تقرير اللجنة لم يُوجّه أيّ تهم محدّدة إلى كوربن شخصياً، إلّا أن «الحملة ضدّ معاداة السامية» - المرتبطة بتجمّع «يهود حزب العمل» والسفارة الإسرائيلية في لندن والتي كانت تقدّمت بالشكوى الأوّلية إلى «اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان» في شأن معاداة مزعومة داخل «حزب العمل» للسامية - وصفت التقرير بأنه «رائد» في الدفاع عن الحرّيات، داعمةً استنتاجه بأن «حزب العمل» تحت قيادة كوربن «أصبح معادياً للسامية بشكل مؤسَّسي». وأشاد (السير) ستارمر، بدوره، بالتقرير «الاحترافي الشامل»، ووعد بتنفيذ توصياته «بالكامل»، قائلاً إن أعضاء «حزب العمل» اليهود كانوا «محقّين في توقّعهم أن القيادة الجديدة للحزب ستتعامل مع مسألة (معاداة السامية) بجدّية»، معرباً عن أسفه لهم «لأن تحقيق هذا التغيير استغرق منّي وقتاً أطول ممّا ينبغي». وأضاف ستارمر للصحافيين، بعد هذا القرار الذي بدا مبيّتاً: «إذا كان - بعد كلّ هذا الألم، وكلّ هذا الحزن، وكلّ الأدلة الواردة في هذا التقرير - لا يزال هناك مَن يعتقد بعدم وجود مشكلة معاداة السامية في حزب العمل، وأن كلّ شيء مبالغ فيه، أو نتاج حروب الأجنحة داخل الحزب، فبصراحة، أنت جزء من المشكلة أيضاً. ويجب ألّا تكون في أيّ مكان بالقرب من حزب العمل». وكان كوربن علّق على محتوى التقرير، في بيان له، بأن «المسألة ضُخّمت بشكل مبالغ فيه، بشكل كبير، لأسباب سياسية من قِبَل خصومنا داخل وخارج الحزب»، ليأتي ردّ القيادة الحالية بالتعليق الفوري لعضويته في الحزب وتحويله إلى التحقيق.

قالت مصادر تجمُّع الماركسيين في «حزب العمل» إن عمليات تعليق وطرد أخرى ستتبع ذلك


مصادر تجمُّع الماركسيين في «حزب العمل» قالت، لـ«الأخبار»، إنه من المحتّم أن تتبع ذلك عملياتُ تعليق وطرد أخرى، ليس لأن الحزب مليء بالمعادين للسامية، ولكن لأن هناك الكثير من الأعضاء الذين يعارضون الحروب الإمبريالية، ما يجعله قوة سياسية لا يمكن الوثوق بها من قِبَل وزارة الخارجية الأميركية. وبدعم اليمين البريطاني، وتشجيع جوقة الصحافة البرجوازية، فإن ستارمر لن يضيّع بالتأكيد هذه الفرصة المثالية لتصفية يسار «حزب العمل»، واستعادة السيطرة المطلقة لتيار تلاميذ توني بلير - رئيس الحزب الأسبق وشريك جورج دبيلو بوش في الحرب على العراق عام 2003 - على مقدّراته. وكان جون ماكترنان، الخبير الاستراتيجي البليري التوجُّه، قد اقترح العام الماضي بأنه يمكن استعادة السيطرة على الحزب أيديولوجياً من خلال الإيحاء بأن «معاداة الرأسمالية تخفي معاداة السامية». ويبدو أن حملة «مساواة معاداة الصهيونية بمعاداة السامية» ستصل قريباً في بريطانيا إلى السقف، المتمثّل في وصم الاشتراكية بمعاداة السامية، إذ إن مصادر تجمّع الماركسيين في «حزب العمل» ليست متفائلة بقدرة يسار الحزب على مواجهة الأزمة والافتراءات، ولا سيّما مع سِجِلّ تردُّد كوربن نفسه كما طاقمه في السنوات الخمس الماضية في التصدّي بحزم لمؤامرة اليمين، وانضمام رفاقه في الجهاز الحزبي بالفعل إلى جهود طرد عدد من مؤيّديه بتهم ملفقة شبيهة.
وفي موازاة الحرب الثقافية في بريطانيا - وعبر البرّ الأوروبي -، فإن على الجانب الآخر من الأطلسي، حيث تُقاتل عصبة الرئيس دونالد ترامب لضمان التجديد له لفترة رئاسية ثانية خلال انتخابات 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، لم يتأخّر مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، في استعادة سلاح تهمة «العداء للسامية» وتوسيع دائرة الهجوم ضدّ منتقدي إسرائيل. وتشير تقارير وسائل إعلام أميركية (وإسرائيلية) متقاطعة إلى تسريبات تزعم بأن بومبيو يفكّر في وصم بعض المنظّمات غير الحكومية البارزة - بما فيها «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية» و«أوكسفام» - بأنها «معادية للسامية»، ليثني المسؤولين الأميركيين والوكالات الحكومية عن التعاون معها، وذلك في ما يبدو بناءً على توصيات إيلان كار، المبعوث الخاص لمراقبة ومكافحة معاداة السامية التابع لترامب، والشهير عند الصحافة بلقب «قيصر معاداة السامية». وبحسب التقارير، فإن بومبيو يحاول الربط بين تلك المنظّمات وبين حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات الدولية «BDS»، كما معاقبتها على التورّط في إصدار إدانات (ملطّفة) للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وللمستوطنات، إلى جانب إصدارها انتقادات لانتهاكات متكرّرة لحقوق الإنسان يقترفها الجيش الإسرائيلي، ومختلف الأجهزة الأمنية العبرية، بحق سكّان البلاد الأصليين.
ومع أن تقريع بومبيو لهذه المنظّمات دفاعاً عن الكيان العبري يأتي متناغماً مع موقف إدارة ترامب المتطرّفة في دعمها لإسرائيل، والسلوك العام للسياسة الخارجية الأميركية، إلّا أن لعب بطاقة «معاداة السامية» في هذا الوقت تحديداً قد يكون تكتيكاً أخيراً لجذب الناخبين المتردّدين المؤيّدين لإسرائيل في الانتخابات الحالية، واستراتيجيةً موازية من بومبيو لتعزيز قاعدته بين جمهوره من المسيحيين - الإنجيليين المتصهينين، تعبيراً عن طموحات رئاسية مستقبلية لدورة عام 2024. لكن لا أحد ينكر، أيضاً، تفاقم أزمة الرأسمالية العالمية نتيجة الانقسام الطبقي الفاضح، وتوسّع فجوة الدخول بين الأقلية الثرية والأكثرية المعدمة، والذي تعمّق في ظلّ جائحة وباء «كوفيد - 19»، هذا فضلاً عن أن الأنظمة الليبرالية الغربية - المفلسة فكرياً - تجد نفسها مضطرّة للاستعانة بأسلحتها القديمة ذاتها: الحروب الثقافية، وفي مقدّمها «العداء للسامية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا