يفترض بوزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، أن يزور إسرائيل قبل نهاية الشهر الجاري لمواصلة «النقاشات الاستراتيجية» مع المسؤولين هناك، في ما يتعلّق بضمان التفوّق العسكري النوعي لتل أبيب خلال السنوات المقبلة. الزيارة التي لم تحظَ إلى الآن بترويج ودعاية إعلامية، تبحث أيضاً جملة قضايا وتحدّيات مختلفة، في مقدّمتها إيران، وإن شكّل التفوّق العسكري لإسرائيل عنوانها البارز. وكانت الدوائر المهنية في وزارتَي الأمن والدفاع في كلا البلدين قد انشغلت، على مدى الأسابيع الماضية، في جلسات مداولات في شأن تمتين الموقف العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وسط هرولة الحكّام العرب إلى التطبيع. ومن بين الأهداف المعلَنة لـ»النقاش الاستراتيجي» بين الجانبين، هو ما ورد على لسان وزير الأمن، بني غانتس، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، حيث أشار إلى أن النقاش تركّز على «سبل استخدام الفرص الإقليمية في التصدّي للقوى المزعزعة للاستقرار» في المنطقة.

يتّضح، من تصريح غانتس، أن المداولات الأميركية - الإسرائيلية تتمحور حول كيفية العمل الأمني المشترك بناءً على اتفاقات التطبيع الأخيرة، وتحديداً مع الإمارات والبحرين ومن ورائهما السعودية، لمواجهة «القوى المزعزعة للاستقرار»، والتي يشار بها عادةً إلى إيران وحلفائها. بمعنى آخر، يُراد - أميركياً وإسرائيلياً - الدفع باتجاه تطوير اتفاقات التطبيع المعلَنة، وتلك التي ستُعلن لاحقاً، لتشكيل تحالفٍ، إن لم يكن من أجل الحرب العسكرية المباشرة مع إيران، فبهدف إيجاد رافعة تهديد وتهويل إضافيَين انطلاقاً من أراضي حلفاء إسرائيل الجدد في الضفة الغربية للخليج. هدفٌ يَطرح تساؤلات عديدة من بينها: أيّ مستوى من المواجهة يسعى إليه الطرفان؟ وما هي أدوار الحلفاء الجدد فيه؟ وهل تقرب سقوفاً كانت حتى الأمس القريب غير مطروحة على طاولة البحث؟ وهل يتجاسر الحكام الخليجيون على كسر الخطوط الحمر التي أبقت المواجهة مع إيران، حتى الآن، غير صاخبة؟ ما يَرشَح عن زيارة غانتس يشير إلى وجود مساعٍ مكثّفة لتحقيق الاستغلال الأمثل للتحالفات المُعلَنة حديثاً، برعاية أميركية؛ إذ ما بين زيارته الأولى لواشنطن في أيلول/ سبتمبر الماضي، وزيارته الخاطفة إليها قبل أيام (استغرقت ساعات)، أكد غانتس أنه على خلفية الدخول في حقبة عمليات التطبيع «الإيجابي» في الشرق الأوسط، بات بالإمكان مواجهة إيران في جميع أنحاء المنطقة، قائلاً: «معاً، مع الولايات المتحدة ومع حلفائنا القدامى والجدد، سيكون لدينا تعاون مثمر».

ما يتسرّب في الإعلام هو تماماً ما يريد الجانبان أن ينشغل المعلّقون به


في العناوين العامة المعلَنة للزيارة الأخيرة، كان لافتاً توقيع إعلان مشترك بين إسبر وغانتس، يؤكد التزام الولايات المتحدة بتفوّق إسرائيل العسكري النوعي في المنطقة، وهو إعلان «لزوم ما لا يلزم»، في ظلّ وجود قانون صادر عن الكونغرس يُلزم أيّ إدارة أميركية بأن تحافظ على تفوّق تل أبيب، ويمنعها من تزويد طرف ثالث في المنطقة، وإن كان حليفاً لواشنطن، بسلاح من شأنه أن يخلّ بهذا التفوّق. وفي حديث مع الإعلاميين، أعرب إسبر عن أمله في أن «أزور تل أبيب في الأسابيع المقبلة لمتابعة نقاشنا، فنحن نواصل العمل بشكل وثيق لتطوير قدرات (عسكرية)، ولا سيما في مجال الدفاع الصاروخي»، بحسب ما نقلت عنه صحيفة «جيروزاليم بوست». لكن هذا التعاون في تطوير الدفاعات الجوية لإسرائيل موجود ومُفعّل منذ سنوات، مع تمويل مالي ومشاركة بحثية أميركية، وهو ما يشي بوجود تفاصيل في «النقاشات الاستراتيجية» يَلزم الطرفان الصمت إزاءها.
مع ذلك، يرد في التقارير العبرية، من خلال تسريبات وتقديرات، أن الاتفاقات المتبلورة بين الجانبين تشمل إمكانية تقليص تكنولوجيا طائرات الـ»أف 35» المنويّ تزويد الإمارات بها، على غرار ما حدث مع السعودية في ثمانينيات القرن الماضي لدى تزويدها بطائرات الـ»إف 15» وغيرها من الأسلحة النوعية، فضلاً عن تزويد إسرائيل بطائرات «V-22 Osprey» المتعدّدة المهام والقابلة للإمالة مع إقلاع وهبوط عموديَّين، وأيضاً طائرات مقاتلة من طراز «F-22 raptor» التي رفضت الولايات المتحدة تزويد طرف ثالث بها. وكانت إسرائيل أبدت، في الماضي، اهتمامها بالحصول على مقاتلة «F-35B»، التي تتمتّع بقدرات الإقلاع والهبوط العموديَّين، وهو خيار يمكن أن يسمح للطائرة بالهبوط على مدارج أقصر بكثير من مدرّجات المطارات العسكرية إذا تعرّضت قواعد سلاح الجو الإسرائيلي لهجوم بطائرات إيرانية أو صواريخ من «حزب الله» (معاريف). كذلك، تحدّثت تقارير عبرية أخرى عن أسراب من طائرات «F-35A»، إضافة إلى طائرات من طراز «F-35B»، وثالثة من نوعية «F-15IX»، ورادارات متطوّرة جداً تُخصَّص لمتابعة إيران، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي وتمويل صناعات عسكرية وغيرها.
لكن هل هذه، فعلاً، هي الاتفاقات المتبلورة أو التي في طور التبلور بين تل أبيب وواشنطن؟ مصدر أمني إسرائيلي رفيع قال لـ»معاريف» إن ما يتسرّب في الإعلام هو تماماً ما يريد الجانبان أن ينشغل المعلّقون به، على حساب ما قد يكون خططاً مرتبطة بالمحاور والتحالفات الجديدة وتوزيع المهامّ والأدوار فيها، في نسخة منقّحة من استراتيجية مواجهة إيران، بعد فشل الرهانات على البدائل المُفعّلة إلى الآن. والجدير ذكره، هنا، أن تزويد الإمارات، وغيرها من الدول التي لم تكن يوماً في حالة حرب مع إسرائيل، لا يضرّ بالأخيرة، بل يتوافق تماماً ومصالحها، ويُعدّ قيمة مضافة لتفوّقها. مع ذلك، من الجيّد لتل أبيب، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، أن تتوصّل مع إدارة دونالد ترامب إلى اتفاقات على تزويدها بأسلحة نوعية كانت واشنطن ترفض بيعها لطرف ثالث، حتى لو كان إسرائيل نفسها. في هذه الحالة، سيكون جو بايدن، إن فاز في الانتخابات، ملزماً بتنفيذ تلك الاتفاقات نتيجة تعذّر إلغائها أو رهنها بتنازلات سياسية، وهو ما لا يطلبه أو يشترطه ترامب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا