في الوقت الذي لا تزال فيه الأنظار متوجّهة صوب التظاهرات التي تهزّ البلاد، منذ وفاة الرجل الأسود جورج فلويد، خنقاً بعدما أوقفه شرطي أبيض قبل عشرة أيام، وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عنصراً يعوّل عليه، علّه يخفّف من حدّة الانتقادات التي يتعرّض إليها، في الفترة الأخيرة، على مستويات عدّة.

أمس، «بشّر» ترامب الأميركيين بتراجع نسبة البطالة، خلال أيار/مايو، ما يعطيه متنفّساً، وسط ما يواجهه من حركة احتجاج تاريخية ضدّ العنصرية. وبمجرد نشر الأرقام، رحّب الرئيس الأميركي بهذا التراجع التاريخي، مشيداً عبر «تويتر» بـ«التقرير العظيم حول الوظائف». وشكر نفسه بالقول: «عمل رائع أيها الرئيس ترامب (أمزح ولكن ذلك صحيح)». وتراجعت نسبة البطالة إلى 13,3%، وفق المعطيات التي نشرتها وزارة العمل، وذلك بعدما كان المحلّلون الأكثر تشاؤماً قد توقّعوا أن تصل إلى 20 في المئة بسبب فيروس «كورونا» المستجد.
ترامب واصل تبشير الأميركيين، فعقد مؤتمراً صحافياً في البيت الأبيض، أكد فيه أن بلاده «تجاوزت إلى حدّ كبير» وباء «كوفيد - 19»، الذي لا يزال يودي بحياة حوالى ألف شخص يومياً في الولايات المتحدة.
وتعليقاً على التراجع المفاجئ لمعدّل البطالة، في أيار/مايو، تفاخر مجدّداً «بقوّة» الاقتصاد الأميركي. وقال: «هذه القوة أتاحت لنا تجاوز هذا الوباء الفظيع، لقد تجاوزناه إلى حدّ كبير». وأضاف: «اتخذنا كل القرارات التي كان يجب اتخاذها»، وذلك في الوقت الذي كان يتعرّض فيه لانتقادات بسبب إدارته للأزمة الصحية.

بعد تأبين فلويد خرجت تظاهرات اتّسمت معظمها بالسلمية في مدن عدّة


وفي محاولة لحرف الأنظار عن التُّهم التي تتعرّض لها إدارته بتعزيز الانقسام والعنصرية، ذهب ترامب إلى حدّ القول إنّ أرقام التوظيف الإيجابية تمثّل «أمراً رائعاً» بالنسبة إلى جورج فلويد. وأضاف: «آمل أن ينظر جورج إليها الآن ويقول هذا أمر رائع لبلدنا».
إلّا أن الرئيس الأميركي لم يغفل العودة إلى نغمة مطالبة حكّام الولايات بـ«السيطرة على الشارع»، وذلك بينما تبنّى موقفاً متشدداً تجاه المتظاهرين، معتبراً أنّ بينهم الكثير من «الأشخاص السيّئين». وقال: «أقترح على بعض هؤلاء الحكّام الذين يبالغون في الفخر، لا تغترّوا. أنجزوا المهمة. سيكون عملكم أفضل كثيراً في النهاية باستدعاء الحرس الوطني». وأضاف: «عليكم أن تسيطروا على الشوارع. ما كان ينبغي لكم أن تدعوا هذا يحدث».
وقد جاءت تصريحات ترامب فيما رفعت مجموعات في المجتمع المدني الأميركي، دعوى ضدّه، بعدما أطلقت قوات الأمن رذاذ الفلفل وقنابل الغاز لتفريق المتظاهرين السلميين خارج البيت الأبيض، قبل أن يتوجّه الرئيس إلى كنيسة لالتقاط صور له مطلع الأسبوع.
في هذه الأثناء، شارك المئات في مينيابوليس في مراسم تأبين جورج فلويد، حيث تعهّد الناشط من أجل الحقوق المدنية آل شاربتون، بأنّ الاحتجاجات ستتواصل إلى أن «نغيّر نظام العدالة بأكمله». وبعد المراسم، خرجت تظاهرات اتّسمت معظمها بالسلمية في مدن عدّة. ففي نيويورك، احتشد الآلاف على جسر بروكلين، بينما تمّ رفع حظر التجوّل في واشنطن ولوس أنجلوس، وتراجع عدد الحشود. وبالتزامن، مثل ثلاثة من عناصر الشرطة الأربعة الذين أوقفوا فلويد بتهمة استخدام ورقة نقدية مزوّرة أمام المحكمة للمرّة الأولى بتهم التواطؤ في موته. وتمّ تحديد كفالة بقيمة مليون دولار لكل منهم. أما الشرطي الرابع، شوفين، فوجّهت إليه تهمة بالقتل من الدرجة الثانية، بينما مثُل أمام القاضي الأسبوع الماضي.
سياسياً، كشفت السناتورة الجمهورية عن ألاسكا ليزا موركوسكي، أنها «تواجه صعوبة» في تحديد إن كان عليها دعم إعادة انتخاب مرشح حزبها (ترامب)، في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. وقالت موركوسكي إن تردّدها جاء بعد تصريحات جيمس ماتيس، وزير الدفاع السابق في عهد ترامب، والذي انتقد قبل يوم الرئيس «الذي يحاول تقسيمنا». وأفادت في حديثها إلى الصحافيين بالقول: «أعتقد بأنّ تصريحات الجنرال ماتيس كانت حقيقية وصادقة وضرورية ومستحقة».
وتشكّل تصريحاتها تحوّلاً كبيراً في المواقف حيال ترامب ضمن معسكر الجمهوريين، الذي بقي متماسكاً على مدى أزمات عدة، بما في ذلك محاكمة عزله وتهديده حالياً باستخدام القوة العسكرية بحق المحتجين.
(رويترز، أ ف ب)