شكّل تزامن بدء جلسات الاستماع إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول ثلاث تهم فساد، مع إلغاء اللقاء الذي كان مقرراً بينه وبين منافسه بني غانتس، محطة إضافية في سلسلة محطات مفصلية مرّت بها الساحة السياسية الإسرائيلية منذ ما بعد الانتخابات الأخيرة. وضع هذا الإلغاء نتنياهو أمام منعطف جديد يستوجب منه تحديد خياراته البديلة: إما باتجاه طَرْق أبواب ليبرمان، أو إعادة التكليف إلى رئيس الدولة، فيما تراهن كتلة «أزرق أبيض» على أن يؤدي حشر نتنياهو، سياسياً وقضائياً، إلى الإطاحة به كمرشح لتشكيل الحكومة، إن لم يكن الآن فبعد الانتخابات المقبلة، انطلاقاً من أن المسار القضائي سيؤدي خلال أسابيع إلى توجيه لائحة اتهام في حقه. هنا يبرز من جديد دور ليبرمان الذي بات بيده إنقاذ نتنياهو لمنع انتخابات ثالثة، أو الإطاحة بمستقبله السياسي.

توالت بفعل تعقيدات المشهد السياسي الداخلي وموازين القوى التي أفرزتها الانتخابات العديد من المحطات التي ترتبت على كلّ منها تداعيات مفصلية. أسّست النتائج نفسها لكلّ ما تلاها؛ كونها كرّست فشل نتنياهو في تشكيل حكومة يمينية من حلفائه التقليديين، وعمّقت مأزقه السياسي والقضائي، ما دفعه للجوء إلى خيار التفافيّ بهدف منع منافسه غانتس من تشكيل الحكومة، عبر تأسيس كتلة مانعة يمينية مؤلّفة من 55 مقعداً. المحطة التالية تمثّلت في تكليف نتنياهو مَهمة تشكيل الحكومة، وتعطيل قدرة خصومه على ذلك رغم امتلاكهم أغلبية عددية. إذ وفّرت خطة رئيس الدولة لتشكيل حكومة وحدة برئاسة زعيم «الليكود»، على أن تنتقل صلاحياته إلى غانتس بعد توجيه لائحة اتهام ضد الأول، غطاءً سياسياً هاماً لنتنياهو استطاع المناورة من خلاله، ووضع «أزرق أبيض» أمام خيارين: إما القبول بهذه الصيغة، أو تحمّل مسؤولية التعطيل.
كان يفترض أن تُعقد بالأمس جلسة حاسمة بين نتنياهو وغانتس، إلا أن الأخير ألغاها. كما جرى أيضاً إلغاء لقاء مفترض بين طاقمَي المفاوضات. وبرّر بيان صادر عن «أزرق أبيض» هذا الموقف بالقول إن «الشروط الأساسية التي يجب توافرها لإجراء محادثات جديدة فعّالة غير متوفرة»، مضيفاً أنه «عندما تصبح الظروف مناسبة، سيُحدَّد موعد لاجتماع هذا الأسبوع أو الأسبوع الذي يليه». ومع أن البيان لم يوضح طبيعة تلك الشروط، إلا أن التقديرات تشير إلى أن ائتلاف غانتس يريد من نتنياهو حلّ مشاكله القضائية قبل تولّي رئاسة الحكومة. في المقابل، اتهم نتنياهو، رئيس «يوجد مستقبل» (جزء من أزرق أبيض) يائير لابيد، بأنه يأخذ كتلته رهينة، كونه يرفض صيغة اتفاق على تناوب بين غانتس وزعيم «الليكود»، لأن ذلك سيقطع الطريق عليه لتولّي منصب رئاسة الحكومة الذي كان متفقاً عليه بينه وبين زعيم «أزرق أبيض» في حال شكّل الأخير الحكومة. وتساءل نتنياهو عن «الأسباب غير الواضحة» التي تدفع غانتس إلى الخضوع لهذا الأمر.

مثّل فشل المفاوضات الثنائية محطة جديدة وضعت نتنياهو أمام مفترق طرق


هكذا مثّل فشل المفاوضات الثنائية محطة جديدة وضعت نتنياهو أمام مفترق طرق، ودفعته إلى عقد جلسة مع كتلة اليمين أمس، جرى فيها مجدداً التأكيد على مواصلة المفاوضات ككتلة واحدة، ورفض عقد لقاءات مع ممثلي «أزرق أبيض» في حال أعاد نتنياهو التكليف إلى رئيس الدولة. تنبع أهمية هذا الموقف من كونه يكرّس اليمين كتلة مانعة من تشكيل الحكومة من قِبَل أيّ شخصية غير نتنياهو، ما يعني أنه في حال أعاد الأخير التفويض، يصبح تكليف غانتس بلا معنى، انطلاقاً من أن أحداً من كتلة اليمين لن يكون على استعداد لإجراء مفاوضات معه بعيداً عن «الليكود»، وأيضاً من أن زعيم «أزرق أبيض» لا يستطيع تشكيل حكومة تستند إلى أغلبية عربية. ويُفترض أن تحضر هذه المعطيات لدى رئيس الدولة الذي سيدرس خياراته، بين تكليف غانتس، أو إلقاء المسؤولية على «الكنيست» ليختار بديلاً خلال 21 يوماً، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
لكن قبل التدحرج نحو المسار الأخير، التقطت كتلة اليمين إشارات من ليبرمان إلى إمكانية تشكيل حكومة يمينية تمثل امتداداً لأغلب الحكومات التي تشكّلت منذ عام 2006، وبمشاركة «إسرائيل بيتنا». لذا اقترح نتنياهو على حلفائه التوجّه إلى ليبرمان الذي لا يزال يرفع شعار تشكيل حكومة وحدة. وكان زعيم «إسرائيل بيتنا» أعلن أنه إذا لم تحصل انطلاقة في المفاوضات حتى «يوم الغفران» (الأسبوع المقبل)، فإن حزبه سيتقدّم باقتراح لحل المشكلة، مشدداً على أن «آخر شيء تحتاج إليه البلاد هو جولة ثالثة أخرى من الانتخابات». وعليه بات نتنياهو الآن أمام خيار تشكيل حكومة يمينية يكون فيها ليبرمان هو المنقذ، أو الدفع نحو انتخابات مبكرة، لكن مشكلته في أي انتخابات جديدة أنها ستقترن بصدور لائحة اتهام في حقه (قبل نهاية السنة الجارية)، وهو ما سيؤثر على فرصه في تشكيل الحكومة التي تلي الانتخابات اللاحقة، وربما أيضاً على حزب «الليكود». والمشكلة الأخرى بالنسبة إليه أن خصومه يدركون نقطة الضعف هذه، ولذلك يرون أن أي اتفاق معه هو بمثابة خشبة خلاص له، ويحاولون ابتزازه وحصر الخيارات أمامه.
يُذكر أن المسار القضائي الذي يسبق صدور لائحة الاتهام بدأ بالأمس، بانطلاق جلسات الاستماع إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية في ثلاثة ملفات فساد منسوبة إليه، تتصل بـ«الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة». ويُمثل نتنياهو طاقمٌ من 10 محامين سيحضرون الجلسات على مدار يومين، للاستماع إلى الادّعاءات المتعلقة بـ«القضية 4000»، والتي تتمحور حول منح نتنياهو امتيازات لشركة «بيزك» مقابل تغطية داعمة في موقع «واللا» الإلكتروني. وتتجدّد الجلسات يومَي الأحد والإثنين المقبلين، حيث سيتم الاستماع إلى الطعون في «القضية 1000» المتعلقة بحصول نتنياهو وزوجته ونجله على منافع وهدايا من أثرياء، وكذلك في «القضية 2000» المتعلقة بمحادثات بين نتنياهو ومالك صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أرنون موزيس.