سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | طرطوس | الدخول إلى منطقة بصيرة، شمال مدينة طرطوس، سيجعلك تشكك في كل معلوماتك عن المدينة الساحلية. فالمنطقة المؤجرة للنازحين الحلبيين قد تغيرت معالمها، وأصبحت أكثر حيوية. المزرعة التابعة لقرية متن الساحل، التي تبعد عن مركز مدينة طرطوس 11 كلم فقط، أصبحت عبارة عن تجمع كثيف لسكان «غرباء عن المدينة». في الشقة البحرية يعيش أكثر من 30 شخصاً.


يتوسط المنطقة مركز كبير لبيع وشراء المواد الأساسية. سقف المركز غطاء بلاستيكي، تنضوي تحته جميع أصناف المواد التي يحتاجها النازحون وأهالي طرطوس على السواء. تنشيط المنطقة الهادئة، كان أمراً مستبعداً في السابق، إلا أن تأجيرها للنازحين بمبالغ باهظة، جعل الأخيرين مطالبين بتنشيط المنطقة لتحسين مستواهم المعيشي، وهذا ما كان. بعض أبناء حلب نقلوا معاملهم إلى طرطوس، التي لم يكن يتجاوز عدد سكانها 800 ألف، ما غيّر رتابة أيامها. «الحلبيون أصبحوا أكثر من الطرطوسيين في السوق المركزي»، يقول خالد، تاجر ستيني من طرطوس. ويضيف: «تراوح مبالغ الإيجارات شهرياً، بين 15 ألفاً في المناطق الشعبية حتى 25 ألفاً في الأحياء الراقية».

التسابق إلى الشهادة

في مقبرة الشهداء الجديدة، القريبة من منطقة الشيخ سعد، ترقد 350 جثة مجهولة الهوية، ينتمي أصحابها إلى جميع الطوائف. تحمل إحدى النساء البخور وتدور به بين قبور الشهداء المجهولين. تجيب على السؤال عن قبر ابنها، بالقول: «كلهم أولادي». وتضيف، معزّزة بالأمل: «ربما يكون في أحد هذه القبور». يقيم عدد كبير من النازحين في قرية الشيخ سعد، التي لا تبعد عن طرطوس أكثر من 3 كلم شرقاً. معظم النازحين في القرية من مناطق حمص الساخنة، إذ يتجاوز عددهم 10 آلاف، من أصل 450 ألف نازح في طرطوس بكاملها. لا يسبق القرية في عدد النازحين، سوى بلدة مشتى الحلو، التي تعد أكبر تجمع للوافدين الحمصيين، وفيما تلقّب طرطوس بـ «مدينة الـ 2010» كناية عن عدم حصول أحداث عنف فيها، فهي لا تحتفظ من لقبها إلا بالمفاخرة بإعلانها في ذلك العام مدينة خالية من الأمية، إلا أن حياة أهلها تغيّرت نهائياً.


يفاخر أبناء حي الغمقة الشرقية بين أحياء طرطوس بعدد شهدائهم


يسارع شباب طرطوس إلى تقديم طلبات الاستعجال للالتحاق بالجيش


كل بيت في المدينة الساحلية الصغيرة قدّم شهيداً أو أكثر. الوجوه المكفهّرة التي يمكن أن تلمحها بين المارة في الشارع، تشي بأحزان أصحابها وشظف عيشهم. يفاخر أبناء حي الغمقة الشرقية بين أحياء طرطوس بعدد شهدائهم. منازل عدة بمحاذاة بعضها البعض تكوّن الحيّ الشهير، قدّمت 52 شهيداً عسكرياً على مدار ثلاث سنوات. بينما قدّمت حارة الشارع العريض، على الكورنيش البحري، وحدها، 50 شهيداً. يبلغ عدد شهداء طرطوس 3400، حسب الإحصائيات المتداولة. ويزيد عدد جرحى المدينة على 3000. يحمل شاب عدداً من الملصقات، ويباشر لصق ورقة نعي على أحد جدران حي الشارع العريض. يتجمهر حوله عدد من السكان لمعرفة اسم الشهيد. قدّمت المدينة 390 شهيداً مدنياً في كل من عدرا وحمص ودير الزور ودمشق، فيما عدد مخطوفيها يبلغ 1800 ما بين مدني وعسكري. التكافل الاجتماعي لمساعدة عائلة الشهيد لافت في المدينة. بهذا يرد أهالي طرطوس على صور الشهداء التي تملأ كل شبر من حاراتهم. يعلق إيهاب، الطالب في كلية الهندسة، على الأمر بقوله: «أصبحت صور الشهداء على كل مدخل وحارة. وصار سؤالنا المتكرر: اليوم دور مين؟». يدافع الشاب عن النازحين، إذ إن بينهم عائلات قدمت شهداء أيضاً، واستطاع أبناؤها تحمّل الكثير من المزايدات في الساحل السوري. فاطمة، نازحة من حلب، تؤكد أن ابنَي شقيقتها الاثنين قد استشهدا، إضافة إلى استشهاد والدهما أيضاً، وهو ضابط في الجيش.
ورغم العدد الكبير من الشهداء في المدينة، يفاخر أهالي طرطوس بأن أبناءهم «يسارعون إلى تقديم طلبات الاستعجال للالتحاق بالجيش، فيما الشباب السوريون يسعون إلى طلبات تأجيل الخدمة الإلزامية، باستعمال العديد من الحجج القانونية».

شهداء... أثّروا

أيام تفصل الطرطوسيين عن إحياء ذكرى أول شهيد قدمته المدينة بعد 8 أيام على انطلاقة «ثورة» درعا. الشهيد خلدون محمد عثمان من قوات الأمن، قضى في درعا، أيامَ فُرض على العناصر الأمنيين النزول إلى التظاهرات غير مسلّحين إلا بالعصي. وجرى دفنه بلا مراسم وداعية، بسبب الارتباك الذي فرضته حالة الموت الجديدة على الشعب السوري، وعدم وجود تعليمات عن واجبات التعاطي مع الأمر. استشهاد المزارع نضال جنود أعقب ذلك بأيام، ابن قرية سمكة في صافيتا، الذي قٌتل بطريقة مروّعة مع بدايات التظاهرات في مدينة بانياس. استشهاد جنّود استخدم كأول دليل في بانياس ليفضح دموية الحراك، من قبل السوريين المؤيدين. أزمة شهدتها بانياس، تركت طفلاً لم يتجاوز 3 أعوام، يحمل اسم نضال جنّود، إثر ميلاده بعد وفاة جنّود الأب. استشهاد جنّود هو أكثر الأحداث تأثيراً في التعاطي بين أهالي بانياس وطرطوس، إذ لا يزال الشرخ بين الطرفين واضحاً. بين الشهداء أحد مشاهير المدينة الممثل المسرحي فيصل حمدي، الذي رغم حالته المادية الجيدة وإبداعه المسرحي، تطوع في الدفاع الوطني مع بداية الأحداث، فقاتل في خناصر، ليعود شهيداً من الزارة منذ أكثر من شهر. استشهاد الصيدلي المعروف علي شدود المتطوع في الدفاع الوطني، أثناء قتاله في معركة تحرير دير عطية، أرخى بظلاله على سكان المدينة الذين خرجوا في جنازته غير مصدّقين نبأ رحيله. عائلة مكوّنة من 3 نحّاتين، انضموا إلى الدفاع الوطني لاحقاً، فاستشهد اثنان منهم، وبقيت أعمالهم الفنية هي الأثر الوحيد الذي بقي من الحرب.

موالون... دون حسابات طائفية

في المناطق غير المحسوبة على الموالاة، صدم حي «البرانية» الطرطوسيين بضبط مستودع للأسلحة والذخيرة فيه، منذ شهرين، ما أغرق حياة أهالي المدينة بالتساؤلات والمخاوف. الحي الواقع في طرطوس القديمة جنوب مرفأ طرطوس، والشهير بتظاهراته الأولى، تتوسطه الساحة التي عادت الحياة إليها، ونسيت الأحداث الأمنية السابقة. ويختلف الأمر بالنسبة إلى المناطق الموالية الأُخرى، وعلى رأسها جزيرة أرواد. فأهالي الجزيرة، العاملون في الصيد والسياحة والوظائف الحكومية، قدموا شهيدين في الجيش منذ بداية الأحداث. لم يتخلّف أبناؤها عن الالتحاق بالجيش، مثلهم في ذلك كسائر أبناء طرطوس. الجزيرة الهادئة لم تتغير حياتها خلال الأعوام الأخيرة، إلا أن المستوى المعيشي بات أصعب. يقول زياد، وهو صياد من أرواد: «الأرواديون يكافحون لأجل العيش فقط. الوضع الاقتصادي أضحى صعباً. والجزيرة التي تعتمد على السياحة خسرت السياحة ككل البلاد». يرمي الرجل صنّارته في البحر، تاركاً مطعمه الفارغ يصفر للريح، ليبحث عن حظه في رزق هذا النهار. بينما الحزن والتعب هما سمتا ملامحه المشتركتان مع جميع الطرطوسيين.

يمكنكم متابعة مرح ماشي عبر تويتر | @marah_mashi