«اللهم لا شماته»... لسان حال الشارع في البقاعين الأوسط والغربي حول التطورات الميدانية في ريف القصير والقصف الذي يستهدف مدينة الهرمل وأخواتها. والشماتة هنا لا تنبع من فراغ بالتأكيد، فهي تراكم من الأحقاد المتبادلة بين مناصري «الثورة السورية» ومعارضيها. لا أحد في سهل البقاع اليوم يعبّر عن رأيه في الآخر من دون حقد.


فيوم قصفت عرسال بصواريخ الطائرات السورية، كانت الضحكة عند مناصري النظام السوري رطلاً، ويوم تعرضت الهرمل وريفها في القصر وحوش السيد علي وسهلات الماء لصواريخ «الجيش الحر»، لم تسمع من العرسالي أو من أحد أبناء البقاع الغربي والاوسط سوى الشماتة.
لم يعد أبناء سهل البقاع في وئام يذكر. قسمت أزمة سوريا المقسم، وأصبحت لغة المذاهب والطوائف خبز الفقراء من أقاصي الهرمل وعرسال شمالاً حتى البقاعين الأوسط والغربي جنوباً. والكل مشارك في جريمة سفك الدماء. لم يعد ابن عرسال ذاك الفقير الذي يشبه فقير الهرمل أو زحلة أو بعلبك. وفقراء حوض العاصي في ريف القصير السورية، لا يستحقون اليوم فعل التضامن من عرسال أو برالياس ومجدل عنجر وجب جنين. فالاشتباك السوري_السوري جزء من يوميات البقاعي وتفاصيل عيشه، حتى لو كان فوق صفيح ساخن ملوث بالدم.
لم يعد حزب الله هذا الحزب المقاوم في أدبيات شارع عرسال والبقاعين الاوسط والغربي. فالحزب اليوم عند مناصري «الثورة السورية» في سهل البقاع ليس إلا شريكاً في سفك دماء أهل «مذهبهم» في سوريا، وخصوصاً في معركة استعادة الجيش السوري لمدينة القصير وريفها الجارية الآن. ففي عرسال ومشاريع القاع وبرالياس وسعدنايل ومجدل عنجر وقب الياس وجب جنين والقرعون والرفيد وكامد اللوز وامتداداتهم الاجتماعية والسياسية، لا مجال لمعالجة الإحباط والتخفيف من حدة النقمة، و«ذبح» أهل القصير السورية ليس إلا ذبحاً لهم بسكاكين حزب الله، كما يقول الشيخ أبو وليد من «تنسيقية» دعم الثورة السورية في عرسال. ولا يكتفي أبو وليد عند هذا الحد من «الاتهام»، فهو لم يعد يجد في عبد الرحيم مراد إلا خائناً لوطنه وأهله وطائفته و«روح خبرو». ولا يجد أبو وليد حرجاً في وصف الشيخ عبد الناصر جبري بـ«المنافق» و«راح مبارح باعنا لبشار الاسد»، معلناً أن عشرات من الشبان سيتوجهون الى القصير للدفاع عنها. موجّها سؤالاً الى حزب الله: «حين قصفت عرسال لماذا لم تدافع عنها أو تطلب من الجيش اللبناني أن يرد على القصف؟». ويختم: «لسنا ضعفاء، وإذا سقطت القصير فلن تسقط الثورة».
«لماذا يريدون قتلنا»؟ يسأل أكثر من عرسالي عن معارك القصير وريفها. ويقول أحد المناصرين للجيش السوري الحر، إنه حين استهدفت عرسال: «لم نسمع من حزب الله وجماعته كلمة واحدة. فلماذا تريد منا أن نتضامن معهم بعد قصف أبطالنا للهرمل؟». وما علاقتك أنت بما يجري في القصير؟ يجيب بحدة: «نحن نتضامن مع القصير ولم نشارك في القتال كما يفعل حزب الله اليوم». ولكن سقط أكثر من شاب عرسالي في مواجهات مع النظام السوري؟ يرد الناشط الاعلامي في «تنسيقية عرسال»: «نحن ضد الظلم»، وحزب الله يقف مع المظلوم في قرى ريف القصير: «هذه كذبة كبيرة. بالنسبة لنا لم يعد هناك نظام أسدي في سوريا. الشعب السوري يقاتل نظام حزب الله».
هذا المشهد العرسالي الصغير، صورته طبق الاصل في البقاعين الاوسط والغربي. فعلى الرغم من أن النقاش مع مجموعة من المناصرين لـ«الثورة السورية» يوحي بأن قراءاتهم لما يجري في سوريا والقصير وريفها على وجه الخصوص، سياسية وليست طائفية، فإن منبع أحاديثهم مذهبي بحت، حتى وإن كان يسارياً سابقاً فقد مخزونه الفكري الوطني تحت تأثيرات موجات التعصب الطائفي الأعمى. يرى أحمد عبدالله الفتاح أن «واجب الجهاد فرض عين علينا»، وأن التوجه الى معركة القصير وريفها «ليس إلا واجباً دينياً وأخلاقياً». ويضيف: «لقد ذهب خمسة من خيرة شبابنا للتصدي لمن يقتل أهلنا في الشام». ويكشف أنه كان سابقاً فاعلاً في هيئة دعم المقاومة الاسلامية «ولست نادماً، ولكن للأسف حزب الله ليس مقاوماً اليوم». ويجد الحقوقي جمال أن ما يجري في سوريا و«قتل أهلنا في القصير وجديدة الفضل، مؤامرة إيرانية ينفذها حزب الله»، معرباً عن اعتقاده أن حزب الله «بدأ يدفع فاتورة نهاية خدمته كحزب مقاوم و«هو يقتل أهلنا في سوريا». ويتابع: «القضية ليست سنية ــ شيعية»، موضحاً بالقول: «النظام السوري نحر الشيعة قبل السنّة، وعلى حزب الله أن يفهم أن انخراطه في الدم السوري لن ينقذ النظام من السقوط». ويختم جمال: «أصبح من حقنا أن نتوجه الى سوريا للقتال والدفاع عن أهلنا».