جاء في مذكرات حاييم وايزمن: «ولدت فكرة انشاء الجامعة العبرية في القدس مع ولادة الفكرة الصهيونية... وفي عام 1902 بالذات نشرنا كراسة عن فكرة الجامعة كان لها احسن وقع بين يهود العالم اجمع، وتوالت علينا رسائل التشجيع، والتبرعات من كل حدب وصوب، وقدم الوف من الشبان، ومن العلماء والفنانين انفسهم لخدمة الجامعة وتحقيق فكرتها».

وفي سياق كلامه عن مستقبل الشرق الأوسط قال رئيس الدولة العبرية شمعون بيريز: إن الصراع في الشرق الأوسط يحسم في مراكز الأبحاث والجامعات أكثر مما يحسم في معسكرات التدريب ومصانع الأسلحلة. انطلاقاً من هذين النصين يمكننا أن نفهم جوهر الأسباب التي كانت ولا تزال في أساس قوة الدولة العبرية قوة العلم والمعرفة. في العام 1961 تنادى ثلاثة من كبار رجال الفكر العربي، المقيمين في بيروت، (وهم د. قسطنطين زريق، الأستاذ وليد الخالدي، والاستاذ برهان الدجاني)، الى تأسيس جمعية عربية علمية مستقلة تعنى بدراسة القضية الفلسطينية، والصراع العربي ــ الإسرائيلي من مختلف الجوانب التاريخية والقانونية والسياسية والاجتماعية، وذلك بهدف اطلاع الرأي العام العربي على ابعاد الصراع وتطوراته، وللدفاع عن الحق العربي في الأوساط السياسية والثقافية العالمية.

إلى جانب هؤلاء الرواد، شارك في تحديد هوية الجمعية ووضع مبادئها كل من د. ادمون رباط، د. سعيد حمادة، الرئيس شارل حلو، د. فؤاد صروف، الشيخ موريس الجميّل، د. نبيه امين فارس، د. نجلا ابو عز الدين، والسيدة وداد قرطاس.
وهكذا انطلقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية منذ العام 1963.
في مناسبة مرور 50 سنة على هذا الحدث المضيء في تاريخنا المعاصر، لا يمكننا في الدقائق العشر المتاحة لنا، ان نقيّم الدور الكبير الذي لعبته هذه المؤسسة. ولكن حسبنا أن نكتفي ببعض العناوين:
1ــ أصدرت هذه المؤسسة أكثر من 700 مؤلفٍ، باللغات العربية والانكليزية والفرنسية.
2ــ أصدرت مجلات متخصصة باللغات العربية والانكليزية والفرنسية.
3ــ وسعت جغرافية العمل بحيث استحدثت مكاتب للمؤسسة في أميركا وأوروبا وقبرص والقدس الشرقية.
4ــ حاولت أن تعالج القضية الفلسطينية من جميع جوانبها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بما في ذلك التعمق في درس الحركة الصهيونية والعلاقات الدولية.
5ــ وضعت الملفات الموثقة عن اللاجئين وحق العودة، وعن القدس والاستيطان والمياه وغيرها.
6ــ قامت بترجمة المصادر الصهيونية الأساسية عن العبرية مباشرة، وترجمة الأبحاث الهامة من اللغات العالمية الى العربية وبالعكس.
7ــ جهّزت مكتبة متخصصة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي ــ الصهيوني، تحتوي اكثر من سبعين الف مجلد، بعدة لغات وبشتى الحقول. مع وجود مئات الدوريات والصحف العربية والعالمية، والخرائط والصور والوثائق والافلام والارشيفات المحلية والعالمية.
8ــ عقدت الندوات العامة والمغلقة والمحاضرات السنوية التكريمية. واستحدثت موقعاً الكترونياً يوفر مصادر معلومات فريدة.
في زمن الانشقاقات الحادة في مجتمعاتنا السياسية بين تيارات دينية اسلامية من جهة، وعلمانية قومية وليبرالية ويسارية من جهة اخرى، ومع تفاقم العنف والاقتتال والارهاب على قواعد مذهبية وعرقية وقبلية وجهوية في مختلف دول العالم العربي وبخاصة في المشرق، تبدو مسألة تعزيز مراكز الابحاث، على مثال تجربة مؤسسة الدراسات الفلسطينية هي الأكثر اهلية لقيادة شعوبنا العربية والنخب نحو التنمية والديمقراطية.
إن التجربة الحرة التي مارستها ادارة المؤسسة تؤكد على اهمية الحوار الحرّ، وحرية النقد والتفكير. وإن روح المؤسسين وهم من هم في ريادة الفكر المتقدم، استمرت فاعلة في نشاط المؤسسة التي كانت تنفتح امامها دوما طاقات الرقي عبر امتلاك القدرات البشرية وتوظيفها بكفاءة في شتى مجالات البحث باتجاه اقامة مجتمع المعرفة في فلسطين وفي العالم العربي الأوسع.
لقد كانت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في انجازاتها التي قامت بها خلال الخمسين سنة المنصرمة، وفي المشاريع التي تنوي تنفيذها في المستقبل القريب والبعيد، عامل تطوير نهضة انسانية في عالمنا العربي من خلال:
الممارسة الصارمة لحرية الرأي والتعبير والبحث. ومحاولة توطين العلم وبناء القدرة الذاتية على البحث والتطوير. وتأسيس نموذج معرفي منفتح ومستنير، وهذه الأسس هي الرد الطبيعي على التحدي الصهيوني ومواجهة الاخطار المحدقة بعالمنا العربي وهي السبيل الأمثل لتحقيق التنمية والديمقراطية.
لقد أكدت تقارير التنمية العربية ان المعرفة هي عماد التنمية، والمعرفة هي سلعة ذات منفعة عامة تدعم الاقتصادات والبيئة السياسية والمجتمعات وتنتشر في جميع جوانب النشاط الانساني.
وإذا كان الشعب الفلسطيني يعاني من ظلم الاحتلال والاستيطان، فإن الأبحاث العلمية والانمائية، لهذا الشعب، وبدون انسان حرّ سليم ومتعلم ومثقف، لا معنى لها. فالحرية هي مضمون التنمية وهدفها. إن مؤسسة الدراسات الفلسطينية تجمع بين الهدف البحثي العلمي، والهدف الوطني الساعي الى الحرية والتحرر.
تبقى الإشارة إلى أنه ليس من باب الصدفة أن تنطلق مؤسسة الدراسات الفلسطينية من بيروت. هذه العاصمة التي كانت وستبقى قائدة لحركة التنوير والطباعة والحريات في العالم العربي.
في اليوبيل الذهبي لمؤسسة الدراسات الفلسطينية اسمحوا لي أن أحيي كل الذين سهروا في الماضي على عملها، والذين يسهرون حالياً على استمرارها، وعلى فاعليتها وتقدمها وبخاصة الصديق الأستاذ محمود سويد. والأمل الكبير بالمستقبل عسى أن تأتي أعياد أخرى للمؤسسة ومشرقنا العربي لا يعاني من التمزق والعنف والتدخل من القوى الاقليمية والدولية، وعسى أن يصل الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربي لحقوقها المشروعة في الحرية والعدالة والتنمية والاستقلال.
(كلمة ألقيت مساء أمس في الندوة التكريميّة التي نظّمتها في بيروت «دار الندوة» بالاشتراك مع «دار نلسن للنشر»، في ذكرى مرور ٥٠ عاماً على انطلاق «مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة»، وشارك فيها كتّاب وباحثون وشخصيّات فكريّة وأكاديميّة وسياسيّة، بينها الوزير السابق بشارة مرهج، الكاتب والناشر سليمان بختي، المفكّر والوزير السابق جورج قرم، الكاتب محمود سويد، خير الدين حسيب رئيس «مركز دراسات الوحدة العربيـة»)
* الأمين العام للحركة الثقافية ــ انطلياس