حتّى نفهم منبع الغضب الشعبي في اميركا، خاصة في صفوف الأقليات وناشطي الحقوق المدنية، اثر اسقاط الملاحقة عن الشرطي دارين ويلسون، يجب أن نتذكّر ندرة أن تقوم هيئة محلّفين بمنع المحاكمة في حالة اشكالية تتضمن قتلاً وضحايا. ويلسون، الذي أطلق النار على الشاب الأسود مايكل براون وقتله من دون أن يكون مسلّحاً أو يشكّل خطراً واضحاً على سلامته، لم «يُبرّأ»، بل منعت عنه المحاكمة في مرحلة اثبات الاتّهام، التي عادة ما تكون شكليّة.


يقول تقريرٌ قضائي اميركي أنّه، من بين 162 الف حالة جرت فيها محاكمات فدرالية عام 2010، لم ترفض هيئات المحلّفين توجيه الاتهام الا في 11 حالة، فعمل المحلّفين هنا يقتصر على تقرير ما اذا كانت القضية والاثباتات تستدعي المحاكمة، بغض النظر عن براءة المتهم أو ذنبه، وهو ما يسهل على أي مدّعٍ عام اثباته. علّق استاذٌ في القانون في جامعة ايلينوي على القضية، موضحاً أنّ «المدعي العام، ان أراد تسجيل الاتهام وفشل في ذلك، فإنّ هذا يعني أن خطأً رهيباً قد وقع... هكذا امور، ببساطة، لا تحدث».
هناك ثقافتان متناقضتان في اميركا تجاه مؤسسة الشرطة وعنفها. من ناحية، هناك الأقليات العرقية والطبقية، التي تعاني من قمع الدولة، وتحمل موقفاً نقدياً وكارهاً تجاه الشرطة وعملها وأفرادها. من جهةٍ أخرى، فإنّ المجتمع الأبيض «الثري»، الذي يملك السطوة في القضاء والسياسة، يتعامل مع رجال الشرطة على انّهم حرسه الشخصي، فيؤمن لهم الحماية القضائية، ويصعّب ملاحقتهم، ويجيز لهم استعمال القوة المميتة في حالاتٍ لا يمكن أن تمرّ في أيّ بلدٍ آخر.
حتّى لو وصلت قضية دارين ويلسون الى المحاكمة، لكان سيبرّأ على الأرجح، وهي الخلاصة التي خرجت بها تقارير الصحافة الأميركية. مجلّة الـ «نايشن» نبّهت الى أنّ اللوائح القانونية في ميسوري، مثلاً، تعطي الشرطي الحقّ بقتل المتهمين بغية تنفيذ الاعتقال أو منعهم من الهرب، اذا ما اعتقد الشرطي أن الشخص المذكور ينوي ارتكاب جناية، بمعنى أن قرينة التهديد المباشر والدفاع عن النفس ليست مطلوبة للقتل.
هكذا، ارتفع منسوب القتل عبر رجال الشرطة، المتفلّتين من الروادع، حتّى وصل الى أكثر من 461 حالة قتل «مبرّرة» في السنة الماضية، بحسب مكتب التحقيقات الفيديرالي. في ولاية كيوتاه، يقول تقريرٌ آخر، صار عدد ضحايا رصاص الشرطة أكبر من عدد ضحايا العصابات والجريمة والسرقة، والمسبب الثاني للقتل بعد الجرائم الزوجية. الوجه الآخر للمظاهرات الاحتجاجية في اميركا هو سواد المجتمع السياسي الذي يحمي عنف الشرطة، بل ويشجّعه، خاصّة حين يُمارس على الأقليّات. يكفي أن نعرف انّه، مقابل المتظاهرين الغاضبين الذين يبرزهم الاعلام، جمع صندوقٌ خاص للدفاع عن الشرطي القاتل أكثر من 660 ألف دولار حتّى اليوم من المتبرّعين - فقط لأنه قتل مراهقاً أسود.