في مقالٍ له عن الانسانوية والعنف، يستغرب الباحث طلال أسد أنّ مفهوم «الانسانية»، الذي يتفق الجميع على مركزيته وأهميته في الفكر الليبرالي الحديث، لا يوجد تعريفٌ واضح له أو لمحتواه، وقد استعمل بمعانٍ مختلفة طوال القرون الماضية (فكان أحياناً مرادفاً للمسيحية وأحياناً أخرى مفهوماً قانونيا بحتاً)، ولا يتوفر كتاب واحد قيّم يؤرّخ لنشوء المفهوم وتطوّره.


ما نعرفه هو أنّ «الانسانية» بمعناها الحالي، أي افتراض أن جميع البشر ينتمون الى عائلة موحّدة، وأنّ خصائص مشتركة تجمعهم و«قدسية» ما لحياتهم، قد بدأ بالصعود مع انتشار «الانسان الأبيض» ونفوذه خارج أوروبا؛ ومرحلة رسم الخرائط والاستكشاف التي أعطت الأوروبيين نظرة «بانورامية» عن العالم - حسب تعبير طلال أسد - وجعلتهم ينظرون اليه والى شعوبه كوحدة كونية. مفهوم الانسانية، اذاً، نشأ في تجاور مع مفهوم الاختلاف، وأيضاً - وهذا أهمّ - مع مفهوم «التحويل»، بمعنى انّه يمكن «تدريب» هذه الجماعات المختلفة التي يلاقيها الاوروبي في غزواته وضمّها الى العائلة الانسانية. يلاحظ المؤرخون أنّ عدداً من أعنف الغزاة الاسبان في اميركا الجنوبية، كهرنان كورتيس، كانوا ينادون بمعاملة «انسانية» للسكان الأصليين، مصرّين على امكانية تنصيرهم وضمّهم الى التاج الاسباني كرعايا؛ مفضّلين خيار الاستعمار على الاستعباد.
الملفت هو أنّ الكثير من العرب الذين يدعمون الاحتلالات المختلفة لبلادهم ينطلقون من نظرية «التحويل» هذه، حتى حين لا تكون الشعار المعلن للغزو. من دافع عن احتلال العراق وركّز آماله على احتلال سوريا قد يقرّ بأنه، مثلك، لا يصدّق التبريرات القانونية التي تتدثّر بها القوى الغازية (كالدفاع عن النفس)، وانّه لا يؤمن أيضاً بادعاءات العدالة والشرعية الدولية، ولكنّ دعمه للحرب ينبثق من رهانه على فكرة «التحويل» تحديداً: أنّ الغزو سيفسح فرصةً لاعادة تشكيل شعوبنا ضمن اطارٍ فرداني، عقلاني، ليبرالي، وعلماني، بما يجعلنا أعضاء في العائلة الانسانية.
يضيف طلال أسد أنّ نظرية «محاربة التمرّد» اليوم لا تقوم على هزيمة الشعب المحتلّ عسكريّاً، بل على تغيير قناعاته وجعله ينظر الى الحكومة التي نصبها الاحتلال على أنها شرعية، وعندها تنتهي الحرب - أي حين يتغير الأفراد وطريقة تفكيرهم. بهذا المعنى، لم تختلف الأمور في العمق منذ القرن السادس عشر، سواء في عقل المستعمر أو العميل. امّا الاعلام الذي بناه لنا الاثنان، فما هو الّا عملية «تحويل» كبرى ومستمرّة تسلّط علينا جميعاً.