الرفيقات والرفاق والأصدقاء المشاركون من لقاء التغيير ومختلف القوى الوطنية والفصائل الفلسطينية ومجموعات الساحات والشباب والهيئات والتجمّعات النقابية والبلدية والاجتماعية والإعلامية.

الرفيقات والرفاق من مختلف منظمات الحزب وقطاعاته في الداخل والخارج.
تحية لكم جميعاً، وكل عام وأنتم بخير.
ستة وتسعون عاماً مضت على تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، ستة وتسعون عاماً من النضال على درب التحرير والتغيير، درب التحرر الوطني والاجتماعي لشعبنا. ها قد أتينا اليوم لنحيي ذكراها المجيدة في هذه المسيرة التي ترمز في معنى انطلاقتها من صيدلية بسترس إلى ساحة رياض الصلح، إلى الجمع والتكامل بين انطلاقة جمّول في 16 أيلول 1982 وانتفاضة 17 أكتوبر 2019، اللتين تجسّدان اليوم معنى المواجهة الواحدة للقضية الواحدة، التي انتصر لهما شعبنا في المحطتين معاً، مؤكداً صحة هذا الخيار التاريخي لحزبنا وصوابيّته.
حاضرون دوماً على امتداد كل هذا التاريخ، لم تكلّوا ولم تملّوا، قدّمتم من أجل هذا الخيار أغلى ما لديكم، أمينين عامين شهيدين، فرج الله الحلو وجورج حاوي، وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى الذين خطّوا بالدم والعرق مسيرة حزبنا.
حاضرون في كل ميادين النضال ، في مواجهة العصابات الصهيونية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في معارك الانتداب والاستقلال حاضرون، في نضالات الطبقة العاملة والحركة الطلابية والمهنية ، في مواجهة العدوان الصهيوني واحتلاله، يا من أسستم الحرس الشعبي وقوات الأنصار وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية جمّول على درب التحرير والتغيير، في مواجهة مشاريع التقسيم والفدرلة، قاتلتم وحملتم قضية فلسطين، وما زلتم ، ولم تستثمروا فيها ، وعلى مذبح حرية الفكر والكلمة، قدمتم مفكّرين شهيدين كبيرين حسين مروة ومهدي عامل اللذين قاوما بفكرهما الاشتراكي محاولات اعتقال فكرنا الوطني والطبقي. التحيّة، كل التحية، لجميع الشهداء ولهذه المسيرة الباقية على العهد، وعلى هذا الخيار، ولتبقَ المواجهة واحدة ولتبقَ مستمرة من أجل التحرر الوطني والاجتماعي على المستوى القومي العام وعلى مستوى كل بلد عربي.
هذا هو مفهومنا المقاوم:
-ضد النهب الإمبريالي والصهيوني لخيرات شعوبنا وثرواتها، الذي يتوسّل الاستتباع والسيطرة والاحتلال، عبر صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية واتفاقيات الاستسلام والتطبيع التي تقوم بها أنظمة الخيانة مع الكيان الصهيوني.
-وضد الأنظمة الرأسمالية التبعية المحلية ومنظوماتها السياسية الفاسدة ومنها منظومتنا اللبنانية التي تتولّى دور الوكيل في استغلال شعبنا وإفقاره وتهجيره، وحماية مصالح أوصيائها في الخارج.
هنا تكمن أهمية الانتفاضة التي أدخلت الوكيل في أزمة يعجز عن معالجتها من دون اللجوء المباشر إلى الحاكم الأصيل الآتي إلينا من كل حدب وصوب، ليعيد إنتاج نسخة جديدة لتبعية النظام السياسي الطائفي المأزوم الرابط لمصالح الوكيل بالأصيل بعضهما ببعض.
لقد فشلت كل محاولات إنعاش هذا النظام وتعويم منظومته، فلا حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الحريري التي أطاحتها انتفاضتكم الشعبية نفعت معه، ولا حكومة «الأكثرية النيابية» برئاسة حسان دياب نفعت، وكذلك حكومة «المهمة»،
ومع ذلك يكرّرون المحاولة المدانة للخروج من مأزقهم في إعادة تكليف الحريري رئيساً للحكومة، وفي ذلك مسّ واستهتار بمشاعر وإرادة مئات الآلاف من اللبنانيين الذين انتفضوا في 17 تشرين وأطاحوا به وبحكومته وبخطتها «الإصلاحية»، ونحن نكرّر اليوم ونرفع الصوت عالياً لنقول: إن هذه الساحة التي أطاحت بحكومته السابقة لسوف تطيح بحكومته المقبلة إذا ما تشكلّت، ضمن مسار استمرار دفع الفواتير، فإلى أين تأخذون البلد؟ توقفوا عن دفع الفواتير الواحدة تلو الأخرى، الأميركي يضغط من الخارج، وأنتم تخضعون لضغوطاته في الداخل بحرمان شعبنا من أبسط حقوقه الاجتماعية والإنسانية.

إنهارت ميثاقيتكم، وديمقراطيتكم التوافقية الكاذبة، ووهم الحياد... وطروحات الارتداد والتقوقع المذهبي


خضعتم في ترسيم الحدود فنحن لا نرى أيّ مبرر للتفاوض على ترسيم الحدود مع العدو الصهيوني ولبنان يعيش حالة الانهيار الشاملة، بل نرى في ذلك خضوعاً مكشوفاً للبنان أمام العقوبات والضغوطات الأميركية، إذ كيف أصبح الأميركي بين ليلة وضحاها، وسيطاً في مفاوضات ترسيم الحدود وهو الحليف الداعم للكيان الصهيوني ولا يهمه سوى حمايته ونهب ثروتنا النفطية؟
خضعتم وتخضعون لتعليمات وإملاءات الأوصياء وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بعد أن أوصلتنا سياساتكم إلى الخراب الكبير الذي تتحمّلون أنتم مسؤوليته: انهيار مالي، اقتصادي، اجتماعي، تربوي وتعليمي، صحي، انهيار في مؤسسات الدولة وخدماتها العامة كافة.
خضعتم وتخضعون في ما تسمونه «إصلاحات» وهي أضاليل تتفنّنون بترويجها على بعض وسائل الإعلام. «إصلاحاتكم» وصلت وهي لا تحتاج إلى «الشرح»، إنها واضحة في المعدلات الفلكية التي سجّلتها على صعيد البطالة، والهجرة، والمجاعة، فلا دواء، ولا كهرباء، ولا مياه ولا سكن وآلاف المؤسسات الصناعية والتجارية مقفلة ... والناتج المحلي الإجمالي إلى مزيد من التراجع، والتدهور مستمر في سعر صرف الليرة مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، وارتفاع معدل التضخم إلى نسبة 100% بين آب2019 وآب 2020.
خضعتم وتخضعون في مسألة زيادة الضرائب غبر المباشرة (ضريبة القيمة المضافة) وتعرفات الخدمات العامة الأساسية (الكهرباء) ، وتقليص عطاءات أنظمة التقاعد والتقديمات الاجتماعية ، وبيع ما تبقّى من المؤسسات العامة لمصلحة المصارف والقطاع الخاص المحلي والخارجي، وفي الآتي الأعظم وقف دعم أسعار استيراد الدواء والمحروقات والقمح الذي بدأ تنفيذه عملياً على الأرض بمجرد إعلان حاكم مصرف لبنان عنه، حيث يتوقع حصول زيادة 60% إضافية في الأسعار ومعها سيُفرض على ثلثي الشعب اللبناني، الالتحاق بجيش الفقراء و/أو بجيش العاطلين عن العمل، مع ما يتهدد ذلك من انهيار في مؤسسات الحماية الاجتماعية، ولا سيما المؤسسات الضامنة وعلى رأسها صندوق الضمان الاجتماعي وأنظمة الحماية الصحية وتعويضات نهاية الخدمة ومعظم مؤسسات التعليم الرسمي، العام والجامعي.
ماذا بعد؟ كفى مكابرة... انهارت ميثاقيتكم، وديمقراطيتكم التوافقية الكاذبة، ووهم الحياد، والمثالثة والفدرلة والانتخابات المبكرة، وطروحات الارتداد والتقوقع المذهبي وصدامات الاقتتال الأهلي المولّدة للتباعد السياسي والاجتماعي أكثر بكثير من وباء كورونا.
إنه نظامكم السياسي، برأسماليته التابعة ومحاصصته الطائفية ومنظوماته المتوارثة، هو المهدد لمصير لبنان ووجوده وكيانه والذي ينبغي استئصاله، بعد أن جعل حياة اللبنانيين جحيماً يناضلون من أجل البقاء فيه على قيد الحياة.

هذا ما ينتظر اللبنانيين إذا ما نجحوا في تشكيل حكومة بحجة أن المواطن لم يعد يتحمّل، والحقيقة أنه لم يعد يتحمّلهم هم، ولم يعد يصدق وعودهم. ثلاثون عاماً وهم يبيعونه الوعود الكاذبة. الآن يفتش كل منهم عن وصيّ له في الخارج ليتبناه ويبيعه، ما لا يملكه من هذا الوطن طلباً للسترة وعدم كشف دفتر حساباته المالية وأمواله المهرّبة والمنهوبة.
وإذا كانت ضريبة الواتساب هي عود الثقاب الذي أشعل الانتفاضة، فماذا سيحصل إذا ما تم رفع الدعم، غير أن تشتعل ساحات الانتفاضة وشوارعها، إننا نحذّر منذ الآن المنظومة الفاسدة من عواقب الإقدام على رفع الدعم، الذي سيشكل انفجاراً اجتماعياً ومحطة لتثوير الانتفاضة التي لن ينجحوا بإعادة عقارب ساعتها إلى الوراء... فتحية إلى شهداء وجرحى الانتفاضة وإلى الشهداء الذين سقطوا إثر انفجار المرفأ الذي أثكل العاصمة بيروت.
الرفيقات والرفاق
وإذ نحتفل اليوم في هذه الذكرى المجيدة، فإننا نعاهد الشعب اللبناني وجمهور الانتفاضة الشعبية وكل قوى التغيير الديمقراطي على مواصلة النضال في مواجهة المنظومة الحاكمة، وعلى المضي قدماً نحو بناء أوسع ائتلاف وطني للتغيير يفضي إلى تعديل موازين القوى وإرساء أسس المشروع السياسي البديل، بدءاً من فرض حكومة انتقاليّة من خارج المنظومة الحاكمة وبصلاحيات استثنائيّة كمقدمة لقيام الدولة العلمانية الديمقراطية في لبنان.
الرفيقات والرفاق
أمام هذه التحديات الوطنية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرنا، وبموازاتها فإننا نعلن لكم بالمناسبة إطلاق أوسع ورشة حوار ونقاش ابتداءً من الأسبوع المقبل، انطلاقاً من مشاريع الأوراق الفكرية والتقييمية تحضيراً لانعقاد مؤتمر حزبنا الثاني عشر ووفق آلية التحضير التي أقرّتها اللجنة المركزية.
عاشت الذكرى السادسة والتسعون لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني
والمجد والخلود للشهداء الأبرار.
وسنمضي سنمضي إلى ما نريد: وطن حرّ، وشعب سعيد.

* خطاب الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، في الذكرى الـ 96 لتأسيس الحزب

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا