لعلّ تاريخ بدء تكوّن الأوليغارشيّة اللبنانية (ليس بوصفها طبقة بل بوصفها بنية)، يعود إلى عهد الاستقلال، وبالتحديد إلى عهد بشارة الخوري. إنه «الكونسيرسيوم» (كما سمّاه الصحافي إسكندر رياشي)، الذي أشرف في ذلك الحين على تمويل حملة الرئيس العتيد، وضمن وصوله إلى سدّة الرئاسة. وذلك مقابل تعهّده والتزامه المطلق بجودة تمثيل مصالح طبقة رجال الأعمال، وضمان امتيازات متقدمة لها. إنها النواة الصلبة المحيطة بالرئيس المكوّنة بشكل أساسي من أقاربه ومُصاهريه التي لم تكن تتجاوز الثلاثين أسرة. خوري وفرعون وشيحا وفتال... وبضع عوائل أخرى سيطرت على قمم الاقتصاد، وخصوصاً قطاعاته المالية والتجارية. وأنجزت في تلك المرحلة عملية تحويل الاقتصاد اللبناني إلى «اقتصاد حر». هذه العملية التي عنت باختصار شديد، تحويل لبنان من بلد منتج زراعياً وشبه صناعيّ، إلى اقتصاد خدمي وسياحي و«وسائطي»، مع هيمنة شبه مُطلقة لقطاع رأس المال المالي والمصرفي الذي صار عصباً لهذا الاقتصاد الجديد ومحوراً له.

يلخّص فواز طرابلسي الوضع بدقة ووضوح، في دراسته المتميزة عن الطبقات الاجتماعية في لبنان (إصدار مؤسسة هينرش بيل 2013) حيث يقول: «مع عهد بشارة الخوري، تبدأ العلاقة المميزة بين رئيس الجمهورية والمصارف. فلكل رئيس جمهورية مصرفه ومصرفيّوه». هكذا، عُرف «بنك فرعون ــــ شيحا» على أنه بنك بشارة الخوري. وهو الذي موّل الحملة الانتخابية الفضائحية للانتخابات النيابية للحزب الدستوري، أيار/ مايو عام 1947، والذي عُرف بـ«أيار الأسود»، بسبب شراء الأصوات الواسع النطاق والتدخّل الفظ والمفضوح للسلطات فيه. أمّا عهد الرئيس كميل شمعون، فكان العهد الذهبي للرأس المال المصرفي اللبناني. حيث هيمن بنك «لبنان والمهجر» و«سوسيتي جنرال» على معظم الاقتصاد اللبناني، وكان الرئيس شمعون وكيلاً، بل صاحب أسهم في كلا المصرفين.
أما مصرف الرئيس فؤاد شهاب، فكما هو معروف كان بنك «أنترا». لقد أدار هذا المصرف 60% من الاقتصاد اللبناني، تسيّره الأجهزة الأمنية (المكتب الثاني في الجيش)، وتموّل بواسطته الانتخابات والأصدقاء السياسيين والإعلاميين. في عهد شارل الحلو، كان مصرف العهد هو «البنك الأهلي». أما سليمان فرنجية، فكان عضواً مؤسساً في «بنك الشرق الأدنى». والياس سركيس القادم من المصرف المركزي، فقد كان رجل المصارف الأول، وكان قد سبق تعيينه رئيساً لمجلس إدارة بنك «ويدج» لصاحبه رجل الأعمال الكبير عصام فارس. ووراء أمين الجميل، كان بنك «ليتكس، ومديره سامي مارون، صديق الجميل وشريكه، وصولاً إلى عهد إميل لحود وفضيحة بنك «المدينة» المدوّية، فضلاً عن دور وحاكميّة المصرف المركزي التي تعزّزت في عهده، في سيطرتها على المفاصل المالية والاقتصادية للبلاد ككل.

هل نحن اليوم أمام نموذج مافيويّ كلاسيكي؟
يحاول المفكر بينو أرلاكاتشي تحديد تعريفٍ نظريٍ للنظام المافيويّ «حيث تقوم السلطة المافيويّة على حالة من التنافس الفوضوي لتحصيل الجاه. وتمثل أداة ممتازة للارتقاء الاجتماعي في مجتمع رأسمالي، حيث المُغامرة والتسيّب اللاأخلاقي هي الشروط التي لا مناص منها لتحقيق هذا النجاح».
أي أن السلطة المافيويّة هنا تمثل نوعاً ما تقسيماً ضمنياً غير معلن لحماية مصالح الطبقة الحاكمة وتأمينها. وذلك باستخدام تلك الأساليب «اللاأخلاقية» في مواجهة فوضى السوق أولاً (وهي هنا تمثل دوراً إدارياً بالمعنى النسبي للكلمة أو حتى «تنظيمي»)، وضد الرأي العام والقوى الشعبية ثانياً. غاية هذا التقسيم هي التحاصص السلمي لقطاعات النفوذ والأعمال. لعلّ أزمة مكبّات النفايات، مثلاً، توضح المعنى عيانياً بالنسبة إلى التحديد النظري. إنّ تفجّر أزمة النفايات حول تقاسم أرباح المكبّات، في عام 2015، وجد حلاً مافيويّاً له، عبر تقسيم سلمي في صفقتي المكبّين على السواحل اللبنانية، كما أوضحت «نيويورك تايمز»، حيث عقد المكب الأول استفاد منه جهاد العرب المقرّب من رئيس الوزراء سعد الحريري بقيمة 288 مليون دولار. أما العقد الثاني، فذهب إلى داني خوري المقرّب من عائلة عون، بقيمة 142 مليون دولار. بالطريقة نفسها، تتمّ إدارة بقية الملفّات حيث اقتسام ملف الكهرباء بين «كوجيكو» وليد جنبلاط، التي تحتكر توريد المحروقات للمولدات، وبواخر جبران باسيل التركية لتوليد الكهرباء وصفقاتها، والتي بلغت ملايين الدولارات. على المنوال ذاته، تسيّر بقية الملفات من الأملاك البحرية (فضيحة منتجع «الإيدن بي») والجمارك والمعابر غير الشرعية... فعبر مجلس الإنماء والإعمار والمجلس النيابي، وغيره من المؤسسات، يتمّ توزيع الصفقات والريوع ومناطق النفوذ «حبياً»، إن صحّ التعبير عبر ضبط التنافس الداخلي، وفقاً للمنطق المافيوي لكلٍّ حسب حجمه.
ولكن رغم ذلك يشذُّ النظام السياسي اللبناني في طبيعته عن النظام المافيوي الخالص أو النموذجي، بميزته الطائفية والمذهبية. إذا اعتبرنا أن السلطة المافيويّة أداة حكم الطبقة الرأسمالية (أو وسيلتها في الحكم)، فإن النظام اللبناني لا يقتصر عليها، مستخدماً معها أداة أخرى هي الطائفية.

تمثّل السلطة المافيويّة نوعاً ما تقسيماً ضمنيّاً غير مُعلن لحماية مصالح الطبقة الحاكمة وتأمينها


في تحديد الطائفية، نلجأ إلى مهدي عامل. فالنظام الطائفي ليس حكماً لطائفة ما، أو هيمنة لطائفة ما على نظام سياسي معيّن، أو على بقية الطوائف، بل هي لجوء سلطة سياسية، أو طبقة حاكمة، إلى استخدام الأواليّات الطائفية والمذهبية في حكم وضبط النظام المجتمعي القائم (راجع مدخل إلى نقض الفكر الطائفي). إنها لازمة اضطرارية للطبقات الحاكمة في البنى الكولونيالية المتأخرة، حيث تعجز عن فرض الهيمنة عبر السبل الديموقراطية الحديثة (الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني)، فتنسحب مضطرة إلى استخدام مقولات وأدوات ما قبل سياسية، مثل الطائفة والمذهب وحتى العشيرة.
يمكن في هذه الحالة عبر جمع أرلاكاتشي وعامل، رؤية تكامل المفهومين ــــ المافيوية والطائفية ــــ متجليين بشكل نموذجي وواضح في النظام اللبناني، ما يجعله مادة لدراسات خصبة وتعميمية. لا يمكن إيجاد أي منفذ إصلاحي أو تجديدي ضمن الأطر المافيويّة والطائفية القائمة. النظام الطائفي نظام مغلق ومتكامل بامتياز كما يوضح عامل. وهو يعمل وفقاً لقواعد ذاتية الدفع تضمن إعادة تجديده لنفسه وإعادة إنتاجه لنفسه، لا بل وهنا الأخطر، تمكين وتقوية نفسه، وخصوصاً في تجاوزه للأزمات والتناقضات الكبرى. أي أن النظام الطائفي يخرج أقوى ومعزّزاً في تجاوزه لأي أزمة بنيوية (مثلاً تعزّز البنية الطائفية في كل من سوريا والعراق، إثر الأزمتين الأخيرتين في كلا البلدين). الإصلاح والتغيير يأتي من الخارج. من خارج المنظومة المافيويّة الطائفية الحاكمة، وقد يكون عبر «حقنها»، إن صح التعبير، بقوى سياسية تغييرية جديدة، لا نقول تقلّب، بل نقول تعدّل قواعد الحكم وآلياته المعطوبة الحالية القائمة. قد تكون الانتخابات النيابية المُبكرة نافذة تسمح للهواء النظيف بالدخول، لتنقية الأجواء العفنة داخل القطيع السياسي الذي يسوس البلاد حالياً. بشرط كون الـ 10452 كيلومتراً مربعاً دائرة انتخابية واحدة ولا أقل!

* كاتب سوري