تعتبر الأزمة التي يمرّ لبنان فيها، اليوم، أشدّ الأزمات التي مرّت في حياته العامة منذ إعلانه كياناً مستقلّاً عام ١٩٤٣، مع العلم أنه كان بلد الأزمات غير المتوقفة في مراحله المختلفة، وحالة لم يسبق للتاريخ أن شهد مثيلاً لها. فليس من بلد في العالم وُلد في الأزمات، وعاش فيها، وصبغت حياته كلها، وكأنه نشأ خصيصاً ليكون... بلد أزمات، ليصحّ فيه الوصف إنه بلد «الأزمات المفتوحة».

ولأنّه بلد «الأزمات المفتوحة» بطريقة غير مسبوقة بين الدول وفي التاريخ، فذلك يعني أن لبنان، كبلد ودولة، لم ينشأ ليكون وطناً بقدر ما نشأ ليكون ساحة أُعدّت لخدمة أغراض من أنشأه، أي الاستعمار الغربي ــ الفرنسي والبريطاني ــ الذي مهّد له في اتفاقية سايكس ــ بيكو عام ١٩١٦.
وفي مقارنة لأعنف الجولات التي مرّ بها الكيان، يمكن تقسيم مراحل الحياة اللبنانية إلى ثلاث مهمة ومفصلية، حين كانت الأزمات في كلّ مرحلة تطيح به كياناً ونظام حكم، وتهدّد مصيره، وتتلاشى حدوده، وتغيب سلطة دولته عن الفعل. أولى المحطات الكبيرة التي كبا فيها الكيان اللبناني، وكان لمّا يزل في الخامسة عشر من عمره، هي أحداث ١٩٥٨ التي لقبت بـ«الثورة»، حين انفجر الوضع الأمني، واضمحلّت دولته في مناطق واسعة، وسقطت حدوده منفتحة على الجوار، وذلك تحت تأثير الصراع الإقليمي بين حلف بغداد المدعوم غربياً، والحركة الناصرية. وفي هذه الفترة، كانت الدول التي وقفت خلف الصراع، هي الغرب الذي انضمّت إليه الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة ثانية. قوتان متوازيتان تقريباً، خرجتا من الحرب العالمية الثانية، ومضتا في ما عُرف بـ«الحرب الباردة»، تعبيراً عن توازن القوى بين المحورَين.
نتيجة لتوازن القوى، كان الصراع اللبناني متوسّط الشدة، وقد خيض بالجمهور اللبناني مقابل سلطة وجيش متراجع، والنتيجة إعادة التوازن الإقليمي والدولي إلى سابق عهده، بتسويات على أكثر من مستوى، فاستقرّ الوضع في لبنان بتسوية غربية ــ ناصرية، انعكست في لبنان تسوية شهابية ــ ناصرية، وانتهت باستمرار المحورَين العالميَّين مع امتداداتهما، على توازنهما، كلّ محتفظ بقوته حيث توقفت الأحداث.

تعتبر هذه المحطة الأشدّ قساوة فقد مرّت عليها فترة زمنية طويلة وتبدو كأنها لم تزل في بدايتها


ثاني المحطات، محطة ١٩٨٩، التي جاءت خاتمة لصراع معقّد بدأ عام ١٩٦٧، أي حرب حزيران وما نجم عنها من تحوّلات في الساحة اللبنانية بوفود المهجّرين الفلسطينيين من الضفة الغربية بسلاحهم عقب النكسة، واحتلال الكيان الصهيوني للضفة الغربية في فلسطين وتهجير سكانها، ثم مروراً بتطورات كثيرة أهمّها اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥، وما تلاها من تطوّرات أبرزها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢، عبوراً بتطوّرات كثيرة انتهت عام ١٩٨٩ بصراع الجبل الماروني، ونهاية التسوية التي قامت عليها الجمهورية اللبنانية.
بعد عام انهارت القوة العالمية الجبّارة، الاتحاد السوفياتي، ما دلّ على وهنٍ في صراع الحرب الباردة بضعف متزايد تدريجياً لأحد قواها، فجاءت الأحداث اللبنانية على أعتاب سيطرة أحادية مقبلة. ولم يكن التوازن في الصراع المحلّي ممكناً، فانتهى هذا الصراع، وانقلب الواقع الدستوري والأمني لصالح طرف، وتأسّست جمهورية لبنان الثانية بعد سلسلة حروب ومعارك ومحطّات متدرّجة، وجرى توقيع اتّفاق الطائف من دون مقاومة، لتقوم جمهورية لبنان الثانية من دون صدمة قوية.
بذلك، اتّسمت تلك المحطة بعنف متدرّج من تواريخ سابقة، وليس بعنف كبير كان مطلوباً للوصول إلى اتفاق الطائف. كأنّ الصدمة التي كانت مطلوبة حدثت بالتدريج، وعلى فترات طويلة، أنهكت الكيان ولم يعد قابلاً لأيّة مقاومة. وعندما بات طريحاً، عُقد الطائف، وأنعش الكيان بصيغة جديدة. وعالمياً، طغت الولايات المتّحدة بسقوط الاتّحاد السوفياتي، وليس بصراع لبناني محلّي، أي أن الثمن لم يكن لبناني الهوية.
ثالث المحطات، ما نشهده حالياً من عصيان وتطوّرات وتحرّكات احتجاج مضى عليها شهر ونصف تقريباً. تُعتبر هذه المحطة الأشدّ قساوة من حيث المبدأ، فقد مرّت عليها فترة زمنية طويلة، وتبدو كأنها لم تزل في بدايتها، وأن الكامن فيها غير مرئي، ولا أحد يمكنه التكهّن بمآلاته. هي الأشد قساوة لما تتضمّنه من معانٍ وتفسيرات. وإن كان الاختلاف عليها كبيراً، فلأنّها تحمل بذور الخلاف الكبير والصراع الحاد، ذلك أن الأحداث تحلّ على مفصل مرحلتين، مرحلة راحلة، ومرحلة مقبلة. المرحلة الراحلة، هي تراجع المحور الغربي بقيادة الولايات المتّحدة الأميركية، من دون سقوط ولا هزيمة، والمرحلة المقبلة، تقدّم المحور الشرقي وفيه حلف المقاومة (سوريا وإيران والمقاومة)، مع روسيا والصين، تقدّمٌ وغلبةٌ من دون انتصار ساحق. لكن ضغط النهوض الشرقي يدفع بالغرب المتراجع أساساً، إلى مزيد من التراجع، ومن هذه الرؤى، يمكن القول إننا أمام مرحلة تبدّل الدول، لكن ليس على مستوى فردي ــ دولة مقابل دولة ــ إنما على مستوى دولي، أي محور مقابل محور. في هكذا تبدلات استراتيجية دراماتيكية، يتّخذ الفعل ورد الفعل منحى عنفياً شديداً، فالمسألة مسألة حياة وموت، وحلول قوة مكان قوة، وتغيّر وجه العالم، وانقلابه. ولأننا أمام هكذا مرحلة تاريخية، تندلع في لبنان أحداث مستمرّة، مزخمة، تشارك فيها مروحة واسعة جداً من القوى والتجمعات، ويستخدم فيها المحور الغربي أقسى ما تبقّى بين يديه من أسلحة، أي الدولار، حيث تعجز الآلة الحربية الغربية عن خوض معارك عسكرية مع قوى ناهضة على مختلف المستويات. ولا يتوانى المحور الغربي عن توظيف أيّ عنصر أو سلاح منعاً لتقدّم المحور الآخر، بينما يتموضع المحور الشرقي في سوريا ولبنان بقوة، متحيناً الفرصة للانقضاض والتهام الساحة، ليبدأ مشواره العالمي الجديد.
*كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية