بغض النظر إن أراد أو لم يرد ذلك، لكن من حيث موازين القوى والقوة، يستطيع «حزب الله» المباشرة بالضغط الفعّال لتصحيح الوضع المالي للدولة وخفض العجز وأعباء الدين العام، بما لا يمس مصالح غالبية اللبنانيين من محدودي الدخل وموظفي القطاع الخاص والمحرومين من فرص العمل.

هو على الأقل الأكثر قدرة على ذلك، وبالتالي الأكثر مسؤولية. هو القوة التي لا يمكن مقارعتها ومعارضتها محلياً، لا أمنياً ولا سياسياً. ومنذ التسوية الرئاسية تحديداً، وجميع الأطراف اللبنانيين، بمن فيها ألدّ الخصوم، يسعون للوقوف على رأي «حزب الله» وموافقته في كل شاردة وواردة، من قانون الانتخاب إلى تأليف الحكومة وتوزيع الحقائب، وصولا الآن إلى بحث بنود الموازنة والتزامات لبنان مقابل الاستعطاء من الدول المانحة ـــ النافذة.
الآن، على وقع ضغط الداخل الشعبي والخارج السياسي، يستطيع «حزب الله»، من دون أن ينشغل عن مواجهة اسرائيل أو العقوبات الاميركية المالية، الإمساك مع حليفيه الرئيسيين وغيرهم بالقرار التشريعي والقرار التنفيذي لتحقيق التصحيح المطلوب فوراً في الموازنة:
1- هو يستطيع إقناع شريكه الأساسي في المقاومة، رئيس مجلس النواب، بأن بلد المقاومة ومجتمع المقاومة لم يعودا يحتملان هذا المسار من الانحدار والهلاك الاقتصادي والاجتماعي ــ والأخلاقي بسبب تفشّي المحسوبيات والإثراء غير المشروع ومزاريب الهدر.. وأن الشيعية السياسية، كجزء أساسي من السلطة الحاكمة منذ اتفاق الطائف، ومعها عقيدة المظلومية التاريخية (السابقة) لم تعد أيضاً قادرة على تحمّل مسؤولية مظلومية الآخرين من الطائفة أو من باقي اللبنانيين. وبالتالي، لا بد من تحمّل «محوري المقاومة» (حزب الله وأمل) المسؤولية الحكومية والنيابية، ولو اقتضى الظرف بعض العمليات الجراحية لإقفال مزاريب الهدر والمحسوبيات.
2- وعلى قاعدة شيعية متينة، يستطيع حزب الله إقناع حليفه «الرئيس» في الساحة المسيحية، بأن اللبنانيين كفروا بوعود الاصلاح والتغيير، وأن الآتي أعظم كثيراً إن لم يتم وضع حدّ لهذا النخر الداخلي الذي لن يوفّر، إن استمر، لا «الرئيس القوي» ولا المقاومة، وسط إيمان شعبي عام ومتزايد بعجز الجميع عن مواجهة المشاكل الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية (والأخلاقية).
3- وأمام هكذا جبهة ثلاثية ومن معهم من حلفاء أقل وزناً، لن يكون بوسع كل الخصوم السياسيين الآخرين، الشركاء في السلطة سابقا وحاضرا، الصمود أمام أي محاولة جدية لتصحيح الموازنة ومعالجة العجز وسط هذا الانكشاف غير المسبوق لجميع المشاركين في السلطة..
لن نتحدث هنا عن عوامل أخرى قد تكون مساعدة، مثل التقارب المُلتبس بين «حزب الله» و«القوات اللبنانية»، واستعداد رئيس الحكومة لتقبّل أي إجراءات تخفف عنه الحرج أمام الدول «المانحة»، ولا عن ملفات المحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمة السارقين، رغم الرعاية التي يتمتع بها القضاء المالي (والقول للقاضي علي إبراهيم)، بل نتحدث فقط عن خطوة متواضعة في غاية البساطة، لا تتعدى إقفال بنود الهدر وتحسين موارد الأملاك العامة، وهي بنود أصبحت على كل شفة ولسان، وكافية لخفض عجز الملياري دولار المطلوبين لموازنة هذا العام.
إنها بنود أصبح من المتعذر الالتفاف عليها أخلاقياً بالتذاكي على اللبنانيين، كاستبدال الخفض أو الخصومات على الرواتب بضرائب جديدة خادعة «تساوي» بين جميع اللبنانيين وتشفط من الجميع موارد جديدة للنهب، بينما النسبة الأكبر من الموظفين تنوء تحت وطأة الضرائب الحالية، ومعها نسبة لبنانيين أخرى تتحول كل يوم نحو الفقر وتضم جمهور العاملين خارج رواتب وملاَك القطاع العام، والكتلة المتزايدة المخيفة من المتخرّجين الشباب المحرومين من العمل اللائق.
ورغم واقعيتها وهيبتها وتواضعها، فإن النجاح في مسؤولية سد مزاريب الهدر قد يُثمر أكثر من المتوقع، ليس فقط في إنقاذ «خزينة السلطة» مؤقتاً من المعضلات الراهنة ـــ المتراكمة بسبب سياسات الشبكة الحاكمة ومصالحها، بل في تخفيف وطأة الظروف والضيق (والحصار) عن كاهل اللبنانيين جميعاً، ومنهم البيئة الشعبية الحاضنة للمقاومة.
ولعل من نتائج ذلك أيضاً تسديد «حزب الله» لمسؤولية معنوية مطلوبة منه تجاه بلد وشعب لم يخذلا إجمالاً المقاومة طيلة هذه السنين في مواجهة أعتى قوة عدوانية في المنطقة، بينما يتهددهما الآن مزيد من إذلال وإفقار وتضييق مالي ومعيشي بسبب تعسف مصالح وغباء مسؤولين محليين.
ومن يدري، فربما كان إيلاء هذه المسؤولية الاهتمام، مهما كان متأخراً، فرصة أو لبنة لدولة قوية وعادلة. كل هذا إن كان الحزب وحلفاؤه يريدون حقاً ذلك، و«إن أرادوا يستطيعون»، مهما أرادت سياسات ومخططات دونالد ترامب وحلفائه خلاف ذلك.
أستاذ جامعي ـــ كاتب وباحث