سوف يحرّرنا الحق، فالسعي لتثبيت الحق على هذه الأرض هو انتزاع حرية البشر ممن اغتصبها، وأراد دفنها كي يضيع الحق ويسود الفساد.

قلة تعرف عن علاقتي بميشال إده، فما الذي يربط بين قائد من قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وثائر عربي ينتمي لقوميته كما ينتمي لوطنه، وبين ميشال إده الحقوقي والإعلامي والمفكر السياسي اللبناني؟ تعرفت إليه في السبعينيات بطلب منه وبرغبة شديدة مني.
كان لقاؤنا الأول في فندق «بريستول». لم أتحدث إلا لماماً وتركت له المجال ليتحدث.


كان يتحدث بتسلسل منطقي وترابط جدلي حول الحق والحرية والكرامة والاستقلال والتطور والنمو، واستغرق في تعريف الحضارة والرقي وبناء المستقبل، ودُهشت إعجاباً به وبما قاله كان يكاد أن يثب وهو يتحدث عن الحق والحرية، وعرّج على قضايا هامة حول فلسطين وكيفية مخاطبة الغرب والتحرك السياسي. لكنه كان دائماً يعود إلى الحلقة المركزية، وهي الحق والحرية وتلازمهما. ومنذ ذلك اللقاء، نمت علاقاتنا فكنت أسارع للاتصال به عندما تواجهنا مشكلة أسأله وأستنير برأيه، واكتشفت تدريجاً من خلال لقاءاتنا عمقه الثقافي الحضاري. كم كان مثقفاً ومطلعاً وباحثاً وعالماً، بل كم كان قادراً على توظيف كل هذا للدفاع عن الحق والحرية.
ميشال إده كان قادراً على أسر محدثه بعمق فهمه وسعة معلوماته، لكنه كان دائماً يضيف لذلك شخصيته المميزة وقدرته على جذب المستمع إليه وتقريبه من قلبه ودفئه. ثقته بنفسه كانت قوة دافعة هائلة، إذ لم يكن يشعر أن هنالك موضوعاً ما قادراً على إحراجه، فهو جاهز ومستعدّ دائماً لأي مبارزة حول الحق والحرية.
ما الذي يربط بين قائد من قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبين الحقوقي والمفكر السياسي اللبناني؟

عندما نبحث عن نصيحة لمواجهة مشكلة أو للتعرف إلى مسالك حلها، كان ميشال إده هو الأمثل ليكون الدليل. وقد حصل هذا (لأعطي مثلاً)، عندما حاصرت قوات الاحتلال مقر الرئيس ياسر عرفات في رام الله، فقد سارعت للاتصال به عبر طرق شائكة (لأن إسرائيل قطعت خطوط الاتصال الهاتفي)، لأسأله النصيحة وحول مواجهة ما يحصل. لماذا فكرت بميشال إده في تلك اللحظات الحساسة؟ فقد كنت أنا تحت الحصار أيضاً، لقد تبادر إلى ذهني ميشال إده الرجل الواسع الاطلاع والمعرفة والمفكر الاستراتيجي والمتتبع الدقيق للأحداث، وتبادرت إلى ذهني قدرته وثقته بنفسه وبحسن الرأي والمشورة لديه.
ميشال إده ثروة لا تعوض، وهو ليس لبنانياً فقط بل إنه عربي وإنسان حر وراقٍ ومثقف وقائد حقيقي.... رحمة الله عليه.
كم خسرنا برحيلك يا ميشال.