إذا كان بإمكاني تخيل حياتي ممرات متشعبة، فهذا يعني أن أفتح الباب وأتلقى الحوادث، المصادفات، والمنعطفات، والمفاجآت، وأسلك الطريق الخطأ، وكل هذه الأمور التي تحزمني كمتاع وهي ليست أنا. إنها الالتباسات التي جعلتني أكون ما أصبحت عليه. أفكر أحياناً بتسلسل زمني؛ كيف أجبت على السؤال حين كان عمري عشرة أعوام، وحين صرت في العشرين ثم في الثلاثين؟ كيف أجبت كل مرة حين خطر لي بشكل ما: من أنا؟ هل انتهى كل شيء الآن إذن؟ هل أقفل السجل؟ وإلى جانب نفسي، هل يمكن أن يكون لدى أي أحد فكرة أوضح عمّن أكون؟ كيف يجيب شخص مثل شكسبير على هذا السؤال؟ كيف يجيب دكتور جيكل؟ كيف يجيب هتلر؟ كيف كان سيجيب المسخ سامسا على هذا السؤال؟ هل كانوا يعرفون ما يمكن أن يكونوا عليه؟ وأي ممرات متشعبة شكلتهم؟ لكن السؤال بحد ذاته ينمو، يصير أنا، يصبح سجلّي. ليس هذا فقط، بل إن حوادث الحظ، مهما كان اسمها، تتدخل أيضاً في من أنا ومتى، إن كان ممكناً، سأتوقف عن أن أصير؟ هناك سطر جميل من قصيدة لمالارميه عنوانها «قبر إدغار بو» Tel qu’en Lui-même enfin l’éternité le change. إنه سطر أو ممر متشعب، فيه الأبدية وحدة التوقيت والقياس المناسبة لصيرورتنا. الآن أدرك أنه من السهل على أي أحد أن يشك. سؤال من نوع: من أنا؟ يكتشف أن الهوية زلقة.


حين أحضر أحدهم لأول مرة كاميرا فورية إلى بيتنا، كان من الممكن في 30 ثانية أن ترى لحظة سابقة كنت فيها بالضبط هكذا. ماذا لو كان بالإمكان التقاط صورة فورية إطارها الزمني 30 سنة؟

■ ■ ■


قبل أن تصل الحافلة إلى مارانغو بوقت قصير، قام رجل بتقديم نفسه. قال إن عمره 38 وإن اسمه لودفيغ ويعرف الكثير عن أشجار الموز التي تنمو تحتها أشجار القهوة. لقد وقعنا في الفخ وبات لزاماً أن نخترع للودفيغ الأسئلة. كانت المركبة الصاعدة تهتز ونهتز معها، تميل ونميل معها. لودفيغ وحده كان واقفاً بين مقاعدنا بانتظار أسئلة تليق بمرشد سياحي بالقوة. أخذ ينظر إلينا بالدور. ينظر بهدوء. يخرج السؤال وثمنه عنوة من حنكك. أعتقد أنني سمعت أغبى الأسئلة في حياتي، عن نفسي لم أستطع أن أفكر بشيء آخر سوى: أين نستطيع التبول؟

■ ■ ■


بيرو دي كوزيمو صديق العزلة والحيوانات، الذين عرفوه حياً كانوا يتحدثون عنه وليس عن فنه. وما زالت كتب تاريخ الفن تستعمل شخصيته المرتبكة الانعزالية. دائماً سيخبرونك أنه لم يتصالح أبداً مع الله. أنه كان يتفادى صحبة البشر، ولو أن الكلمة الأنسب أنه كان يحتقرها. سيذكرون معلومة خاصة جداً، مثل أنه لم يكن يأكل إلا البيض المسلوق! دائماً، سيقولون لك إنه كان يخرج في نزهات طويلة وحده ويستمر في المشي حتى يبتعد كثيراً ويضطر لاستئجار عربة للعودة. طبعاً، هذه الأخيرة من تأليفي! لماذا أذكر بيرو دي كوزيمو؟ لأنني تمنيت اليوم لو كان لي رأس انسان وجسد أي شيء آخر، لو يمكن أن «أستحون»! خرجت في نزهة طويلة وحدي وابتعدت كثيراً!

■ ■ ■


أقول شيئاً لجسدي وأعرف أنه سيقبل... فينهض... أتظاهر بالمشي نائمة، أُخرج كيس البطاطا وأبدأ العمل، أقشر كثيراً حتى أصل إلى يدي وأظل أقشر متظاهرة بالنوم... أكون تركت الحنفية مفتوحة قبلاً... كل صباح تطفو جثتي على بحيرة البيت.

■ ■ ■


وجدتُ بصقة على الباب... حدقت فيها جيداً... لم أعرف صاحبها/ صاحبتها... حملتها بمحرمة ووضعتها في صحن. غداً تصير إنساناً... حصلت معي أكثر من مرة!

■ ■ ■


هواء المدينة يحول دون تعافي المضطربين، مع احترامي لهؤلاء، لكن ليس من الحكمة أيضاً مراكمة المزيد من العاطلين عن العمل في المدينة. والمرضى مجرد عاطلين مملين عن العمل، خاصة أولئك الذين لا يرجى شفاؤهم. لم أحظ أبداً بمستشفى بعيد من المدينة، لكني حظيت بما هو أفضل، مستشفى في المنفى الذي اخترته لنفسي، بعيداً من العائلة. كانت المستشفيات في الماضي تبعد المريض من ذويه، تعيده إلى الريف أحياناً، كانت تخلق متعمدة هذه المسافة التي تجعل المشوار بعيداً والزيارات أقل. الفرضية الضمنية تقول كلما كان المريض أبعد، كان التعافي أقرب.

■ ■ ■


صمتت المريضة في العنبر المجاور، أغلب الظن أن الطبيب أطلق عليها رصاصة. من يومين فقط صرخت وناشدت الله أن يحررها من الألم. رفعت عيني وقلت آمين. الله في المستشفى هو المورفين. وحين أعود للبيت، أعبد سيجارة حشيش أو «ويد»، الموجود يعني. في الأيام العادية، حين لا يكون معي ولا فلس، لا يخطر لي الأمر أساساً، أدخن أي عشبة ضارة.

■ ■ ■


«نصل كلنا قبل الضوء، ثلاثة أيام من كل أسبوع نصل وننتظر على باب «القديسة هيلين»، وأحياناً يصل أشخاص جدد ونتحدث عن البرد. تعطلت أجسادنا ولا يوجد قطع غيار. لكنها ما زالت تفضي غرضاً كالجوع والتبول والذهاب في مشاوير والعودة منها. على الاستقبال، أوقع ويستلمونني. يفعلون لي أموراً تُحرجنني حين أستعيدها. يفتحون جسدي من جهة، فأصير إبريقاً، هكذا فجأة يصبّون مني شاياً مالحاً ويشربون حتى أشعر بالتحسن والنعاس. يغلقونني... على الاستقبال أوقع مرة أخرى، وفي الطريق أتوقف عند كشك وآكل ساندويش تراب... حين أصل للبيت أسرع إلى الطاولة أجلس وألعب الشدة... الروتين نعمة.

■ ■ ■


أثناء القراءة أكون أفكر: هل يمكن أن يتكلم الناس هكذا؟ بالطبع لا، ولكن، أحياناً، ليتهم يفعلون.

■ ■ ■


في أحد أيام الشهر الماضي، استيقظت مبكراً، غنيت وأنا حافية أمشي إلى المطبخ، أعددت فطوراً يكفي لأربعة. عدت للسرير متثاقلة ونمت... نمت مطولاً... الكآبة بالوعة.

■ ■ ■


الكتاب المتخيل: قبل قليل كنت أستعد للنوم، نظفت أسناني المؤلمة، لبست بنطلون بيجاما وقميصاً لبيجاما أخرى، أتحاشى النوم في «يونيفورم» كأنني مجندة في ثكنة. مشطت شعري، اقتربت لأنظر للبثرة على ذقني، وفجأة أظلمت الغرفة، سقطت عبارة من رأسي على الأرض وتكسرت في العتمة، هذه البنت ليست من أفكاري، من الذي قال «أنا، أنا لن أستطيع إخراج كتاب واحد من قبعتي» وبكى؟... حياتي المدهشة مسكونة بالأشباح!


■ ■ ■


من جسدي أحب يدي اليسرى. حين أخرج أمشي بمحاذاتها. أحياناً أتحامى فيها كأنها امرأة كبيرة وأنا ولد. استقوي بعضلتها العليلة، بالكسر القديم في إصبعي الصغير. من زمان حاولت أن أفعل بها الأشياء، كأن آكل من وقت لآخر. كان أحدهم يمسكها على المائدة وينفضها بعنف. وكنت أخاف فعلاً وأطويها تحت مؤخرتي وأجلس عليها. في المدرسة حاولت أن أفعل بها شيئاً آخر، أن أنقل المسألة على الدفتر، اقتربت المعلمة ولفت خيط صوف على رسغي وربطت الخيط بمسمار ناتئ من سطح المكتب. من جسدي لا أحب سوى يدي اليسرى، اليد التي تخصني مني. اليد التي لا يحبها الآخرون. في أحد الأيام، نبتت لها شامة، رسمت فوقها قوساً فصارت عيناً.
* كاتبة أردنية