هناك مجموعة ثابتة من الادّخارات، وبالتالي اقتراضها من قبل الحكومة سيؤدّي إلى مزاحمة القطاع الخاص على الاقتراض؛ هذه النظرية قديمة وقد تمّ دحضها منذ فترة طويلة، إلّا أن الاستمرار في تردادها سببه خوف الرأسماليين من تدخّل الدولة.

لماذا يقدّم رأس المال المالي هذه الحجّة على الرغم من مرور 90 عاماً على دحضها؟

■ ■ ■

كان وزير المالية الهندي أول من قال إنه في حال اقترضت الحكومة أقل فسيتوافر تمويل أكثر للقطاع الخاص. من ثمّ تبعه نائب حاكم البنك الاحتياطي الهندي الذي تحدّث عن «مزاحمة» الاقتراض الحكومي للاقتراض الخاص. ينطلق الاثنان من مفهوم شائع يقول إن هناك ادّخارات مُحدّدة - مجموعة بقيمة ثابتة لا تتغيّر - كلّما اقترضت الحكومة منها، كلّما بقيت حصّة أقل للقطاع الخاص ليقترضها.
هذه النظرية خاطئة وقد ثبت زيفها منذ أكثر من تسعين عاماً، وتحديداً في عام 1931 من قبل الاقتصادي الكينزي ريتشارد كان، فضلاً عن أنها شكّلت أساس الثورة النظرية التي أطلقها جون ماينارد كينز على الكلاسيكيات الاقتصادية، علماً بأن كينز نفسه كان اقتصادياً برجوازياً مهتمّاً بالحفاظ على الرأسمالية في مواجهة التحدّي الاشتراكي. ولهذا السبب بالتحديد، أقرّ بوجود خلل - اعتبره قاتلاً للرأسمالية - يتمثّل بمستويات عالية من البطالة، داعياً الدولة إلى التدخّل للتخفيف منها.
لم ينجح ذلك بالممارسة العملية، إذ أثبتت الرأسمالية أنها غير قابلة للإصلاح. إلّا أن الأفكار الكينيزية المتعلّقة بهذا النظام، والتي تزامنت مع ما توصّل إليها الاقتصادي الماركسي البولندي مايكل كاليكي، والتي سبق أن تحدّث عنها ماركس، ولكن على مستوى أوسع، قبل أكثر من ثلاثة أرباع قرن، لا تزال قيّمة حتّى اليوم. وهي ما يدفع اثنين من كبار الموظّفين العامين في الهند، وبشكل مثير للدهشة، إلى إعادة طرح مواقف نظرية أُظهر زيفها قبل تسعين عاماً.
يكمن الخطأ في نظرية «المجموعة الثابتة من الادّخارات» في السبب التالي: من المعروف أن الادّخار يعتمد على مستوى الدخل الذي يولّده أي اقتصاد. ومن هنا، القول بأن هناك مجموعة ثابتة من الادّخارات، يَفتَرض أنها ناجمة عن مستوى مُحدّد من الدخل، وهو ما يعني أن الاقتصاد يشتغل بعمالة كاملة. (إنها نظرية خاطئة بالتأكيد حتى لو كان الاقتصاد يشغّل كلّ القوى العاملة فيه، إلّا أننا لن نستفيض في شرح ذلك الآن). لكن في حال لم يكن الاقتصاد يعمل بكامل طاقته، عندها تؤدّي زيادة الإنفاق الحكومي إلى دعم الطلب وبالتالي العمالة والإنتاج والادّخار نفسه.
للتبسيط، سنفترض أننا في اقتصاد مُغلق؛ عندها يُنتج الإنفاق الحكومي المموّل من الاقتراض، قيمة مساوية من الادّخار الخاص، إضافة طبعاً إلى الادّخار المُنتج قبل هذا الإنفاق. أمّا الدخل الإضافي الذي يولّده فهو مساوٍ أيضاً للادّخار الخاص الإضافي الذي سيُنتج عنه.
على سبيل المثال، إذا أنفقت الحكومة 100 روبية واقترضت المبلغ بالكامل، في اقتصاد تكون فيه حصّة الأرباح مساوية لحصّة الأجور (50/50)، ولا يقوم العمّال بأي ادّخار فيما يدّخر الرأسماليون نصف أرباحهم، عندها تكون الزيادة المُحقّقة في الدخل نتيجة الإنفاق الحكومي مساوية لـ400 روبية. من أصل هذا المبلغ، يتمّ دفع فاتورة الأجور بالكامل والتي تبلغ 200 روبية، وكذلك نصف الأرباح أي 100 روبية، ما يعني أنه سيتمّ استهلاك 300 روبية وادّخار 100 روبية. بمعنى آخر، إن الإنفاق الحكومي المموّل عبر الاقتراض، يضع بين أيدي الرأسماليين - من دون أن يقوموا بأي عمل - الموارد نفسها التي اقترضتها الحكومة وبقيمة متساوية. وبالاستناد إلى ذلك، لا تنشأ أي مزاحمة بالأساس. فالإنفاق الحكومي المموّل بالاقتراض يخلق، بغض النظر عن معدّل الفائدة المُعتمد، فائضاً في الادّخار الخاصّ على حساب الاستثمار الخاصّ وبالقيمة نفسها. (أمّا في اقتصاد مفتوح، فيكون مجموع الفائض في القطاع الخاصّ ومع باقي العالم، أي عجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، هو ما يجب أن يساوي العجز المالي).
بالطبع، في حال عوّمت الحكومة بعض السندات فقد تحدث تأثيراً فورياً في القابلية على السندات الخاصّة، إلّا أن هذا التأثير سرعان ما يختفي. وهو ما يعني أن مجمل الاقتراض الحكومي خلال هذه الفترة لا يؤدّي إلى تقليل الاستثمار الخاصّ، بل يخلق ادّخاراً خاصاً إضافياً يفوق الاستثمار الخاص، وبقيمة مساوية للاقتراض. الأمر مشابه تماماً لدخول شخصين من باب واحد في الوقت نفسه، وهو ما يخلق خللاً آنياً، إلّا أنه لا يعني إطلاقاً أن الغرفة التي يدخلان إليها مُكتظّة. وكذلك بالنسبة إلى التأثير المباشر للاقتراض الحكومي والذي لا يعني على الإطلاق مزاحمة القطاع الخاص، بل تماماً كما تمّت مناقشته أعلاه.
لكن ما الذي يدفع الموظّفين العامّين إلى قول العكس؟ صحيح أن ذلك قد يظهر براءة في كيفية فهمهم للاقتصاد، لكن لماذا توصّلوا إلى قوله؟ لمعرفة السبب، يجب التمييز بين موقفين نقديين مختلفين من مسألة العجز المالي.
يأتي الموقف الأوّل من اليسار، وهو على حق، إذ إن العجز المالي لا يؤدّي إلى مزاحمة القطاع الخاصّ أو التسبّب بأي تضخّم (في اقتصاد ذي موارد غير مستغلّة)، بل على العكس يزيد الطلب، وبالتالي الإنتاج والعمالة. إلّا أن اليسار يعارض أيضاً هذا العجز المالي كونه يزيد ثروة الرأسماليين، مجّاناً، ومن دون قيامهم بأي عمل. ففي المثال أعلاه، يؤدّي إنفاق الحكومة 100 روبية إلى زيادة الإنتاجية والعمالة، ولكنّه أيضاً يزيد ثروة الرأسماليين بـ100 روبية يحملونها على شكل سندات حكومية، أي مطلوبات على الحكومة. لكن في حال لم تلجأ الحكومة إلى زيادة عجزها المالي، وفرضت ضرائب على الثروات الإضافية التي يسمّيها كينز بـ«الغنيمة» التي وقعت بين أيدي الرأسماليين، أي تطبيق ضريبة الثروة على الـ100 روبية، فعندها لن يتغيّر شيء: سيبقى الناتج الإضافي الناجم عن الإنفاق الحكومي 400 روبية، وسيكون معدّل الزيادة في التوظيف هو نفسه كما في السابق، وكذلك الزيادة في فاتورة الأجور، إلّا أنه لن يكون هناك أي ثروة إضافية للرأسمالية، أي إنهم لن يضعوا أيديهم على أي «غنيمة».
يعارض رأس المال المالي تدخّل الدولة عبر الإنفاق العام لخلق فرص عمل، فهو يفضّل أن تقدّم الدولة الحوافز للرأسماليين لحثّهم على الاستثمار والإنفاق


أمّا الموقف الثاني فيتمثّل بالحجّة التي يستعملها رأس المال المالي، وتقوم على فكرة أن العجز المالي سيؤدّي إلى مزاحمة الاستثمار الخاصّ. لكن كما رأينا سابقاً، إنها حجّة خاطئة، أطلقها الاقتصادي الكينزي جون روبنسون، ووصفها بـ«عثرة التمويل».
لكن لماذا يُقدّم رأس المال المالي هذه الحجّة على الرغم من مرور 90 عاماً على دحضها، وحالياً يكرّرها المسؤولون الحكوميون والموظّفون العامّون؟ السبب هو في معارضة رأس المال المالي تدخّل الدولة المباشر، عبر الإنفاق العام، لخلق فرص عمل. فهو يفضّل أن تقدّم الدولة كلّ أنواع الحوافز للرأسماليين لحثّهم على الاستثمار أكثر أو الإنفاق أكثر. ويعتقد بأن الدولة لا يفترض بها تولّي دور الرأسماليين، لأن الناس سيسألون عن الحاجة الفعلية للرأسماليين ما دامت الدولة قادرة على التدخّل لزيادة فرص العمل.
هذا هو الخوف الذي يطارد الرأسماليين، فعلى الرغم من استفادتهم من تدخّل الدولة لرفع الناتج (في المثال أعلاه، ارتفعت الأرباح بنحو 200 روبية)، إلّا أنهم يعارضون الإنفاق الحكومي المخصّص لهذا الغرض، حتى لو تمّ تمويله بعجز مالي وليس بفرض الضرائب عليهم. بعبارة أخرى، تبقى حجّة رأس المال المالي خاطئة من الناحية التحليلية، وهي تدحض نفسها بنفسها.
لقد ذهب نائب حاكم البنك الاحتياطي الهندي أبعد بكثير في ملاحظاته. ففي حين رأى أن الاقتراض الحكومي يؤدّي إلى مزاحمة الاستثمار الخاص، طالب الحكومة بتمويل نفقاتها من خلال بيع أسهم مؤسّسات القطاع العام.
الآن، دعونا نفترض أن الاقتراض الحكومي يطرد القطاع الخاصّ ويزاحمه في الاستثمار لأن هناك مجموعة ثابتة من الادّخارات، وأن هذه النظرية ليست خاطئة بل صحيحة بالفعل. فمع ذلك، يبقى من العبث الادّعاء أن بيع سندات حكومية يجعل القطاع الخاص يُحجِم عن الاستثمار، فيما بيع أسهم الحكومة في مؤسّسات القطاع العام لا يؤدّي النتيجة نفسها. إذا كان الاقتراض الحكومي يؤدّي إلى مزاحمة القطاع الخاصّ، فلا شكّ في أن بيع أسهم حكومية يؤدّي الأمر نفسه أيضاً. في الواقع، هذه الحجّة تنطلق من اعتبارات أيديولوجية بحتة، وهي ليست متينة، لا من الناحية التحليلية، ولا حتى على المستوى الذي تستعمل فيه.
تُترجم هيمنة رأس المال المالي في أمور مختلفة، من ضمنها تقديم العديد من النظريات الخاطئة. لذلك يجب مواجهة زيف هذه النظريات بصورة مستمرّة.

* Socialist Economist
* ترجمة: فيفيان عقيقي

* برابهات باتنايك: أستاذ فخري في مركز الدراسات الاقتصادية والتخطيط في جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي. لديه مؤلّفات عديدة، أبرزها «التراكم والاستقرار في ظلّ الرأسمالية» (1997)، «قيمة المال» (2009)، و«إعادة النظر في الاشتراكية» (2011).