الموصل | جدلٌ واسع تصدّر المشهد الموصلي، أخيراً، مع إعلان محافظ نينوى، منصور المرعيد، عن «تسوية» ملف «المدينة القديمة»، بهدمها وإحالتها لاحقاً إلى الاستثمار، بعد تقديم التعويض المالي لـ«ملّاكي العقارات» فيها. «المدينة» الممتدة على الضفة الغربية لنهر دجلة (بحوالى 4 كيلومترات)، تمثّل الواجهة التراثية للموصل، وتسكنها عائلاتها التاريخية. سقوطها بيد تنظيم «داعش» عام 2014، ومن ثم تحريرها عام 2017، ألحقا بها أضراراً جسيمة فتحت شهية أطراف كثيرين عليها.

مقترح المرعيد ليس جديداً. فصاحب الطرح، المحافظ السابق نوفل العاكوب (هرب إلى عاصمة «إقليم كردستان»، أربيل، منذ آذار/ مارس الماضي)، سبق أن اقترح على عدد من المنظمات الدولية هدم «المدينة القديمة» بالكامل، وإنشاء مجمعات سكنية بدلاً منها. وعلى إثر إحياء المقترح، شُكّلت «لجنة مصغرة» تضمّ عدداً من أعضاء مجلس المحافظة، تعمل بالتنسيق مع رئاسة الوزراء في العاصمة بغداد، لوضع أساسيات مشروع إعادة إعمار «المدينة». ووفق معلومات «الأخبار»، يتضمن «المشروع المطروح حالياً جزأين: الأول هدم بعض المنازل وبناء عدد من المجمعات السكنية الحديثة، على أن تُوزع البيوت على أصحاب العقارات وبحسب قيمتها؛ أما الثاني، فإبقاء جزء من المدينة وواجهتها المطلة على نهر دجلة لإعادة إعمارها».

أحد مباني «سوق الأربعاء» في الموصل، بعد تدميرها إبّان العمليات العسكرية (أحمد الربيعي ــــ الأخبار)

هذا التوجّه يراه المحافظ الأسبق، أثيل النجيفي (هرب أيضاً إلى أربيل منذ حزيران/ يونيو 2014)، «استيلاءً على أراضي المدينة القديمة من قِبَل جهات متنفذة، من دون إعمارها في الوقت الحاضر»، مضيفاً في حديثه إلى «الأخبار» أن «إعمار المدينة القديمة لا يمكن أن يكون بهذا الشكل... فمن يفكّر في استملاكها عليه تهيئة ما بين 15 و20 مليار دولار لغرض التعويضات فقط، وبين 30 و40 مليار دولار لغرض إعادة الإعمار». ليختم حديثه بالقول إنه «ما من جهة لديها تلك الإمكانية لاستثمار تلك المبالغ»، فضلاً عن «الغموض الذي يلفّ مسألة الحفاظ على تراث المدينة القديمة».
مبنى «دائرة التأمين» سابقاً، والذي ظهر في إصدار تنظيم «داعش»، حيث ألقى أحد إرهابييه من أعلاه عدداً من المواطنين الموصليين (أحمد الربيعي ــــ الأخبار)

وإلى جانب التصريحات الرسمية، ثمة حراك ميداني يضاعف مخاوف الشارع الموصلي. سماسرةٌ محليون يعرضون على «الملّاكين» في «المدينة القديمة» مبالغ مالية «مغرية» بهدف إخلائها. يروّجون عروضهم بالحديث عن أن «إعادة الإعمار لن تكون في القريب العاجل... والواقع الخدمي في هذه البقعة إلى المزيد من التراجع»، يقول أحد «الملّاكين» في حديثه إلى «الأخبار»، مؤكداً أن عدداً كبيراً من أقرانه سارعوا إلى بيع عقاراتهم خوفاً من البقاء في «منطقة لم ترَ الكهرباء منذ عامين تقريباً».
يستند السماسرة إلى وعود من شركات بعمولة «مغرية» عن كل عملية إخلاء، على رغم أنهم لا يعرفون هذه الشركات (مقارها خارج العراق) ولا مشروعها، وأن تواصلهم محصور مع سماسرة آخرين ينشطون في دول خليجية عديدة. حراك يكاد يماثل ما شهدته العاصمة اللبنانية بيروت مع انتهاء الحرب الأهلية عام 1989، عندما عمل رئيس الوزراء الراحل، رفيق الحريري، ومن خلال شركة مقاولات، على إفراغ وسط العاصمة من أهله، لصالح مشروع تجاري ضخم بالتوافق مع القوى السياسية، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى تمويت هذا المعلم الذي يُعرف اليوم بـ«سوليدير».
مباني سوق «باب الطوب» في الموصل، بعد تدميرها إبّان العمليات العسكرية (أحمد الربيعي ـــــ الأخبار)

بالعودة إلى المرعيد، الذي تبوّأ منصبه في أيار/ مايو الماضي، يتبين أن صعوده نَجَم عن توافق بين مستشار الأمن الوطني فالح الفياض، والأمين العام لـ«المشروع العربي» خميس الخنجر، وقوى أخرى، بقبول كردي ــــ تركي ــــ إيراني. توافق يستهدف تصعيد زعامة «سنية» في العراق عموماً، وفي محافظة نينوى خصوصاً، على حساب «زعامات» قد يكون للرياض أو أبو ظبي أو واشنطن مصلحة في تسويقها. ولأن تحدّر الخنجر من الفلوجة (الأنبار) قد يصعّب عليه الدخول إلى الموصل، كانت ضرورة الاستعانة بغطاء سياسي محلي (أمّنه المرعيد)، وبأسلوب سلس لا يثير الشك (من خلال الشركات الإنمائية). وفي هذا الإطار، تقول مصادر مقرّبة من المحافظ، في حديث إلى «الأخبار»، إن الشركات القابضة المعنيّة بشراء الأراضي ليست إلا واجهات للخنجر، بهدف تهيئة الأرضية لمدّ زعامة الرجل شمالاً من النافذة الخدمية، و«تطيير» من يمكن أن يكون خصماً له هناك، لاحقاً.


«العبّارة» وحديث الفساد
أعاد حادث غرق «عبّارة الموصل»، التي كانت تحمل أكثر من 150 شخصاً (جلّهم من النساء والأطفال)، في 21 آذار/ مارس الماضي، تسليط الأضواء على الفساد المستشري في محافظة نينوى، والذي يتصدّر واجهتَه محافظ المحافظة السابق نوفل العاكوب. العاكوب، الملاحَق قضائياً لتورّطه في ملفات فساد كبيرة، تسنّم إدارة المحافظة في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2015، واستمر في عمله حتى إقالته قبل أشهر على خلفية حادث العبّارة، فكان بذلك المسؤول الأول عن ملف إعمار المدينة. ملفٌ كشفت «هيئة النزاهة» وجود عشرات شبهات الفساد فيه، إذ شمل اختلاس أموال ومشاريع وهمية في قطاعات الصحة والتربية والبنى التحتية. هكذا، لم تشهد المدينة عمليات إعمار حقيقية، ليكون جلّ ما جرى إنجازه فيها إعادة محطات المياه الصالحة للشرب، والتي لم تتضرّر بشكل كبير، فضلاً عن جهود وزارة الكهرباء لتأهيل بعض خطوط توزيع الطاقة الكهربائية في عدد من المناطق، وليس كلها.
(الأخبار)


مقترحات إعمار «الموصل القديمة»
تنقسم الآراء في شأن إعادة إعمار «الموصل القديمة». بعضهم يرى أنه لا يجوز هدمها؛ لكونها تمثّل روح الموصل، ومنها اتسعت لتكون ثاني أكبر المدن العراقية، مطالبين بإعادة بناء ما كان موجوداً، والحفاظ على هويتها. فيما يعتبر آخرون أنْ لا فائدة من بقاء أحجار عمرها عشرات السنين، والإنفاق على ترميمها، خصوصاً أنّ من الصعب إقناع المستثمرين بذلك. وما بين الرأيين، ثمة توجه يحاول المواءمة بين الحفاظ على هوية المدينة، وبين فكرة بناء مجمعات سكنية حديثة، أو حتى مدن بأكملها. وفي هذا الإطار، تفيد المعلومات بأن الخطط المعروضة لتسوية ملف «المدينة القديمة» تتضمّن إعادة بناء المنازل وفق النمط المعماري الموصلي، المتضمن وضع المرمر في واجهات المنازل، والشناشيل المعروفة، والتقوسات، مع إضافة بعض التحسينات.
(الأخبار)