في البيت العتيق، الذي يسكنه عضو انتفاضة «استقلال 05» السابق ومنسّق الأمانة العامة للرابع عشر من آذار حالياً ـ بقي الأثر. بقيت لحظة يلتقطها إطار من جوانبها الأربعة. لحظة ستشبه فيما بعد صورة في «ألبوم عائلي»، سيقال عنها في وقتٍ لاحق « رزق الله».

قبل عشر سنوات، كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن بعده كان الرابع عشر من آذار. وقتذاك، نزل مليون ونصف، حسب تقديرات إحدى شركات الإحصاء التي كانت « شغلتها» العدّ.

كان مليوناً استثنائياً في حينها. ناس عاديون «متنوعون طائفياً ومناطقياً وطبقياً»، يقول خليل شقير، الشاب الذي نزل « عاطفياً» إلى ساحة الشهداء في حينها. يتحدث هذا الأخير، والذي صار اليوم يدير مكتب القدس في تيار المستقبل، عن « نوعية» الناس التي انتفضت في الساحة، فيقسمهم 3 أنواع «ناس نزلوا عاطفياً لحبهم لرفيق الحريري منهم محزبون، وناس نزلوا على طريقة العائلات وآخرون نزلوا لأنهم عانوا من النظام السوري، معتبرين أن الممارسة التي كانت قائمة باتت تحتاج إلى تغيير».
على أساس هذا التقسيم، سيخرج الشاب بخلاصة أن «14 آذار صنعها في حينها المتحمسون». المتحمسون هم أنفسهم الشباب المتفلتون من قيودهم الحزبية والطائفية والمناطقية والعائلات الذين «رسموا مشهدية ساحة الشهداء بهذه العفوية»، على حد قول الكاتب محمد أبي سمرا. على هذا، يعوّل المتذكّرون.
الشباب هم الذين بادروا عام 2005. العفويون، في حينها، الذين كانوا جزءاً من المجتمع المدني الذي كان حاضراً هو الآخر في الساحة. اجتمعوا. رسموا مشهدية ضخمة. عدّوهم: مليوناً ونصف. بقي هذا الرقم فقط، وما يستتبعه من النوستالجيا لحركات «ذات توجه مدني شبابي أكثر مما هو حزبي وسياسي فعلت ثورة حقيقية». غير أنها حقيقة لم تستمر طويلاً. يحلو لمحمد أبو سمرا تشبيه ما جرى في لحظة 14 آذار التي كانت نواتها الشباب، قبل ان تفسد في مراحلها اللاحقة، ما جرى في الانتفاضة التي قادها عمال المصانع ذات أيار من عام 1968 في فرنسا وثورة عام 1967 أيضاً. ولكنها، على شاكلة تلك الأحداث سرعان ما انطفأت، وبوتيرة أسرع. وعلى حدّ قوله « ولا مرة التخيّل أو الاندفاع الغنائي للشباب أوصل إلى شيء، ولا حتى الناس اللي نزلت كان ممكن تعمل شي، فالناس بطبعها ليست كائنات سياسية، فما تفعله ليس بالضرورة ان تعيد فعله، فعندما نزلوا اعتبروا تلك اللحظة لحظتهم من دون أن يعني تكرارها ». كانت «فوشة» يقول، استمرت لنحو عام ونصف. قد يصحّ السؤال: لماذا؟ وقد يأتي الجواب على شاكلة أنها حركات تماهت مع «موجة تفاؤل كانت موجودة في الجو أكثر مما كانت مسنودة إلى بنى تنظيمية وبرنامج، ورغبة أكثر مما هي برنامج أو مشروع». كانت «فوشة» شبابية «بدأت عفوية بلا رأس وبلا برنامج. بدها تعمل شي وما بتعرف شو هو». ربما، لم يكن المطلوب منها التأسيس لشيء . وربما، هذا الذي كان، جعل تلك اللحظة بهذه الأهمية. لحظة تشبه الحياة «التي لا نعيشها لأننا نعرف ما الذي سيحدث ولكن نعيشها لأنها مجرد مصادفات». وما حصل «تحت » كان في جلّه مصادفات، لم يكن مخططاً له. لا خروج قوات النظام السورية الذي حل ذات نيسان ولا حتى رحيل رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود . مع ذلك، لا يمنع هذا التشبيه بالحياة من القول إن ما حصل في الرابع عشر من آذار، كان «فوشة ». هذا ما يقوله أبناؤها. ويقولون أكثر: الأشياء التي تحدث هكذا لا يطول عمرها. باللغة الدارجة «بتموت متل الغرام». يبقى منها اللحظة. لحظة صارت كل شيء، حتى بعد مرور عشرة سنين. وربما مئة وألف. وسيبقون « مكملين». لهذا مثلاً، سنجد شاباً كخليل شقير أو أي أحدٍ آخر سيقول بعد كل تلك السنوات: « أفتخر بأنني انتميت للحظة 14 آذار التي بقيت طاهرة وشريفة ونقية، فتلك كانت الحركة الشعبية والسياسية الوحيدة التي نجحت على مستوى العالم». أما ماذا بعد؟ لا شيء، سوى اللحظة العفوية الشعبية التي التقطتها كاميرا الهليكوبتر من «فوق ». وحدها، بقيت وفارس سعيد ... وحائط منزل محشور بالذكريات. والبقية، ومنها بعض الأمور التي نتجت، صارت على صورة البلد المنقسم عمودياً. على سبيل المثال 8 و14 آذار.



■ ■ ■


يُقال إن لحظة 14 آذار ولّدت أشياء كثيرة، وإن انخرطت في مراحل الانقسام العمودي ما بين 8 و14، منها مثلاً انسحاب الجيش السوري من لبنان وتشكيل حكومة «وحدة وطنية» وإقامة انتخابات نيابية وفتح سفارات في ما بعد... وتحويل بعض التيارات والجمعيات إلى أحزاب، منها تيار المستقبل نموذجاً.
وعلى هذا، يُقال إنّه عندما سئل الرئيس الراحل رفيق الحريري، ذات يوم، لم لا يحوّل «تيار المستقبل» حزباً، كان جوابه «ما المغزى من ذلك؟ وضع زرّ على الياقة؟». حينذاك، خشي الرجل من أن يحصر «الحزب» بطائفة معيّنة ـ هي طائفته ـ لأن الحزب، من وجهة نظره، يجب أن يشمل «مساحة الوطن». ويومها، قرر الحفاظ على التيار بصيغته إلى حين تسمح الظروف بذلك.
يُقال أيضاً إنّه قبل أشهرٍ قليلة من اغتياله، وفي حفل عشاء لأطباء التيار، قال للمجتمعين: « لا أريد حزباً محصوراً في منطقة، فإذا لم يكن جامعاً، فلنضعه هدفاً للمستقبل ».
ويُقال أنه بعد ثلاثة أشهر من هذا الحديث، استشهد الحريري، وتحوّل التيار إلى حزب بـ» لحظة». فعقب الحدث، وجد تيار المستقبل ـ جمعية شباب المستقبل سابقاً ـ نفسه أمام استحقاق مفصلي سينقله من «علّم. عمّر. حرّر» و... وزّع «غالون زيت» إلى حزب سياسي منظّم.
في لحظة 14 آذار، كان ذلك ممكنا. تجاوز التيار حدود التمثيل الطالبي والنقابي والمناطقي ليستحيل تيار بتمثيل شعبي، ولكن فضفاض. كان حتمياً هذا التحول لردم الهوة التي كانت ستفصل التيار الجمعية ـ أو الميليشيا الثقافية كما كان يسمي الحريري ـ عن «العمل الجماهيري الذي أنتجه الاغتيال ومن ثم حركة 14 آذار». هكذا، بعد الاغتيال، أتّخم التيار بالمحبين والمريدين والمطالبين بالانتساب إليه، إعلاناً عن تضامنهم مع « الحريرية»... التي صارت سياسية، والمطالبة بالكشف عن حقيقة من اغتال الحريري. في تلك اللحظة، كان يمكن وصف التيار بالجامع، معطياً «صورة مصغّرة عن المجتمع اللبناني بشرائحه»، يضيف شقير.
كان لا بدّ من هذا التحوّل إذاً. لردم الهوة أولاً، وللعمل على التغيير تالياً. وهذا لا يكون إلا من « خلال العمل السياسي، ومن أهم أدوات هذا العمل هو المأسسة وإيجاد التنظيم الذي يستوعب الجميع، فكان تيار المستقبل الحزب الأكثر تمثيلاً لصورة لبنان»، يتابع شقير. وعلى هذا الأساس، سيصبح الحديث «عن الإنجازات أفعل» يقول، حيث لم يعد هناك فصيل ولا ميليشيا ثقافية ولا جمعية ولا مجموعة، صار هناك «حزب». ثم يسأل: «متى تحققت الإنجازات السياسية لحزب الله؟ » ويجيب « عندما صار حزباً». ثمة إضافة هنا على كل هذا، أن الجو كان مؤاتياً لتسريع هذا الإنجاز، ومنها «خروج الجيش السوري الذي كانت وظيفته منع الحياة الحزبية». هذا أيضاً يعوّل عليه. لكن، حتى هذا الحزب «الجامع» لم ينجح في إحداث التغيير الذي كان يرتقي إليه ـ كما لم ينجح الحزب في الخروج من كونه حزب رفيق الحريري ومن بعده سعد ـ ولكن، صحيح أنه «شارك في صنع مستقبل لبنان السياسي وصار شريكاً»، على حد قول أبناء لحظة 14 آذار، إلا أنه صار على صورة البلد. ربما، لأن «العمل السياسي اليومي في البلد في مواجهة ظروف غير طبيعية يتطلب التعامل معها بحساسية ودقة، وهذه الظروف من الطبيعي أن تؤثر في الأداء والنتائج على كل حال»، بحسب ما يقول شقير. وبالنهاية «هيدا واقع كل الأحزاب». ولأنه الواقع، تعتّقت اللحظة في إطار. تلك اللحظة التي نتجت منها سلسلة مطالب، كان الناس نواتها، ومنها « انسحاب الجيش السوري وإسقاط الحكومة التي كانت وتشكيل أخرى وإنجاز انتخابات نيابية وفتح سفارات...». يقال بأن هذه كانت نتائج «نشوة » لحظة 14. وبعد انقضائها، فسُد كل شيء، حتى اللحظة. يربط شقير ذلك الشيء «بموضوع مغادرة الرئيس إميل لحود، إذ خرج رأس الكنيسة المارونية للقول بعدم قبوله بالهجوم على كرسي الطائفة». بدأ التدحرج « بالعكس». انخرطت 14 آذار في دورة الحياة السياسية الصلفة في لبنان. تمركزت . صار حزب المستقبل «الجامع» في 14 آذار، الجناح النقيض للثامن من آذار. كل ذلك، «ولّد خزلاناً وتعباً وارهاقاً» لدى من فعلوا تلك اللحظة.


ملاحظة

التغيير هو شيء بطيء ويحدث عادة في زمن مسالم . الزمن العنيف ليس مؤاتياً لشيء. لهذا، لم يبق من 14 آذار إلا مشهدية معلّقة على حائط .