سؤال بسيط برسم طلاب كليّات الاعلام وعموم المشاهدين. فيديو مصوّر داخل غرفة العمليّات في مستشفى حكومي، سُرّب إلى أكثر من محطّة تلفزيونيّة. الصور مسروقة، والشريط التُقط بطريقة منافية للقانون والأخلاق وقواعد الطب، ويمثل اختراقاً لحميمية مواطن لحظة خضوعه لجراحة حرجة مرتبطة بخصوصياته وممارساته الجنسيّة… فإذا بحياته الحميمة وكرامته مشاع على الساحة العامة. أين الخبر؟ أين السبق الصحافي؟ أين القضيّة؟ ما الذي يمكن أن يستحوذ على اهتمام الرأي العام في هذه القضيّة؟ ما تُراه يستوقف البرامج الاجتماعيّة التي تسلّط الضوء على الحدث، وتناقشه أمام عشرات آلاف المشاهدين؟

السؤال طرح نفسه أوّل من أمس، على نجمين متنافسين، خلال «حمّى ليلة الاثنين» على الشاشات اللبنانيّة، حيث تتزاحم البرامج الاجتماعيّة، وتتسابق على الفضائح والتسريبات نفسها، والكوارث الاجتماعية والمآسي البشريّة نفسها، واللحى المقيتة نفسها، وغير ذلك من غرائب وعجائب، في أزمنة الانحطاط والردّات وفقدان المعايير، وشراهة المحطّات المتعطّشة إلى الرواج على حساب الكرامة الانسانيّة. من جهة «طوني خليفة» امبراطور الاحصاءات على mtv، ومن الأخرى ريما كركي، التي تصدّت بشجاعة لتركة ثقيلة على «الجديد»، وتحاول أن تفرض أسلوبها المغاير من خلال برنامج «للنشر».

المادة مغرية طبعاً. فرصة ذهبيّة لإثارة الرغبات المكبوتة لدى جزء من المشاهدين، واسالة لعابهم خلف قناع القرف والاستنكار والاستغراب. إنها قصّة رجل لجأ في خلوته، منفرداً أو مع شريك ـــ هذا لا يخصنا أصلاً ـــ إلى لعبة جنسيّة انقلبت حادثةً مؤسفة، فإذا به في قسم الطوارئ مع جسد صلب تجاوز مدخله الشرجي ليعلق في أمعائه. وبعدين يعني؟ إلى هذا الحد أعجبت المغامرة التعيسة طوني خليفة، الذي قرر أن يمارس تلصصه المعهود.

«استعراض» يتلاعب بالمحظورات
عند الخطوط الواهية بين الورع المزيّف والفضول المريض ونزعة التلصص

كاد يبلغ النشوة، وهو يعالج ممارسات الضحيّة بالتفصيل الممل، متصنعاً تلك الدهشة الأقرب إلى الهبل. دكتور إلحقني. «هل يمكن؟…»، «كيف يمكن؟…». الزلمة «طبيعي»؟ وكلّما ذهب الحديث إلى مكان آخر، كان ملك «التراش» يعيده إلى «المؤخّرة» الأثيرة.
الاستعراض يحكم كل شيء. حتى وزير الصحّة الذي اتخذ اجراءات تأديبيّة فجأة بحق المسؤولين المفترضين في المستشفى، يجوز لنا أن نفترض أنّه كان يسابق التلفزيون، ويلتفّ على الفضيحة بعدما بلغه نبأ تسرّب الفيديو. وبعد الحذر من أكل «البراز» وارتشاف «المجارير»، بات علينا أن ننتبه على أعضائنا لدى الاستسلام للبنج تحت مبضع جرّاح في لبنان. وإلا فسنجد أنفسنا قريباً في برنامج فضائحي، تحت مبضع نجم سعيد فخور بنجاحه الجماهيري، يضحك بقلّة حياء، ويبنى نجاحه على مؤخراتنا… إنّها تقنيّة قديمة تعرفها جيّداً المجتمعات المنفصمة بين محافظة وانفلات: انتاج «استعراض» يتلاعب بالمحظورات، عند الخطوط الواهية بين الورع المزيّف والفضول المريض ونزعة التلصص على حياة الآخرين. في هذه القصّة نسي المقدّم التلفزيوني، ومعه بعض ضيوفه وجمهوره، أن هناك حياة انسان ترمى للكلاب. انسان لم يؤذ أحداً، ولم يعتد على أحد، وليس من حق أحد ـــ بدءاً بأطباء غرفة العمليّات الملتزمين قسَم أبقراط، وانتهاء بالمذيع الملتزم أخلاقيّات مهنة الاعلام ـــ أن يعلّقوا على حياته الجنسيّة، ويطلقوا أحكاماً معياريّة، ويقوّموا الطرق الإيروسيّة التي يسلكها بحثاً عن المتعة.
ذلك كان رهان ريما كركي التي اختارت الإبحار عكس التيّار، والتمرّد على قوانين المشهد التلفزيوني. وصلها التسجيل هي الأخرى؟ حسناً، لا يمكنها أن ترميه في سلة المهملات، كما يحدث في بلاد متحضرة، لكنّها ستتناوله من وجهة نظر كرامة المواطن وحقوقه المهانة. تعاطى برنامج «للنشر» على «الجديد» مع الفيديو المسرّب بصفته اعتداء على حق المريض في العلاج، وحقّه في السريّة والخصوصيّة وحماية حياته الشخصيّة، فيما بدا زميلها سعيداً وهو يغتصب خصوصية الناس بسادية، مشغولاً بالنشاطات الشرجيّة أكثر من أي شيء آخر، بدت هي مواطنة غاضبة، تنتفض على بلد مفلس لا مكان فيه للضعيف، ولا حقوق فيه للافراد خارج القطيع. سددت الام كوراج اصبع الاتهام الى منظومة اعلاميّة (وسياسيّة، واداريّة) مفلسة، تفتقر إلى المناقبيّة. تلك هي المنافسة الحقيقيّة، بين مدرستين لا برنامجين، وإن بأسلحة غير متكافئة. طوني خليفة ربح ليلة الاثنين معركة المشاهدة، ريما كركي ربحت معركة الأخلاق. في بلد لم يعد يمون الفرد فيه على حياته الخاصة والحميمة، ولا يترك للمواطنين الشرفاء، على الأقلّ يا سيدي، أن يصطفلوا بمؤخراتهم.