«سُحبت من المزاد». عبارة كُتبت على الصفحة المخصصة للتعريف عن القطعة الأثرية الآشورية المهمة التي كانت مدرجة ضمن مزاد في «دار بونهامز» في لندن أوّل من أمس (رابط الصورة). إذاً، نجحت «مؤسسة سعادة للثقافة» في المهمّة التي بدأتها في الأسابيع الماضية والرامية إلى وقف بيع قطعة أثرية سورية نادرة (805 ــ797 ق. م.) كانت تنوي «دار بونهامز» عرضها للبيع (مزاد رقم 99) أوّل من أمس في لندن، قبل أن تعدل عن رأيها في اللحظات الأخيرة.


وكانت «المديرية العامة للآثار والمتاحف»، التابعة لوزارة الثقافة السورية، قد أرسلت أخيراً كتاباً لوزارة الداخلية السورية، وإدارة الأمن الجنائي السوري، والإنتربول الدولي، مطالبة بـ«العمل على إيقاف بيع القطعة وإعادتها إلى سوريا».
«مؤسسة سعادة» تحرّكت على أكثر من صعيد، لكن أبرز الخطوات كان الصرخة التي أطلقتها من خلال مقطع فيديو (2:54 دقيقة) حمل عنوان «أوقفوا سرقة الآثار السورية وبيعها»، نشرته على قناتها الخاصة على يوتيوب، متوجهة إلى «الحكومة السورية، و«بونهامز»، والأونيسكو» (الأخبار 17/3/2014).

لم تحدّد «دار بونهامز» صاحب القطعة الآشورية لدى طرحها على موقعها


في هذا الشريط، طالبت المؤسسة أيضاً بـ«اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاسترجاع هذا المعلم المهم إلى سوريا، حين تسمح الظروف الأمنية بذلك»، مشددة على أنّها قرّرت رفع الصوت «حفاظاً على آثار بلادنا، وعلى رواية التاريخ الإنساني، واحتراماً لقوانين الأمم المتحدة، ولأجل لبنان وسوريا والعراق». ونفت «مؤسسة سعادة للثقافة» كل التفاصيل المتعلقة بالقطعة الأثرية الآشورية التي ذُكرت على موقع «بونهامز» الإلكتروني الرسمي، معربةً عن اعتقادها بأنّها مسروقة. علماً أنّ القطعة تعود إلى منطقة «تل حمد الأثري» المعروفة بـ«دور كاتليمو» بالقرب من وادي ونهر خابور الأثري، بين منطقتي الحسكة ودير الزور السوريتين، وكُتبت عليها عبارات تتعلّق بلبنان هي: «في مدينة أرواد في وسط البحر صعدت جبل لبنان وقطعت جذوعاً صلبة من خشب الأرز، ووضعت أخشاب الأرز القادمة من جبل لبنان حينها في بوّابة معبد الإله سلمانو، إلهي».
القطعة هي القسم السفلي من تمثال للملك الآشوري أدد نيراري الثالث موجود في «المتحف البريطاني»، وتوقّعت «بونهامز» أن تحصد في المزاد الذي كان مزمعاً إقامته بين حوالى 1 و1.3 مليون دولار أميركي.
بعد بحث معمّق، توصّلت المؤسسة إلى نتيجة مفادها أنّه لا يمكن أن تكون القطعة قد اكتشفت على أيدي عالمَي الآثار، العراقي هرمزد رسّام والبريطاني هنري لايارد، في سبعينيات القرن العشرين، كما تدّعي «بونهامز»، بل «بعد هذه الفترة». والدليل أنّ أعمال عالم الآثار هارتموت كوهني منذ 1975 التي استندت إليها «بونهامز» لا تشير إلى هذا الاكتشاف، ما يعني أنّ التنقيب عنها لم يكن قانونياً، وكذلك عملية البيع. علماً أنّ القسم العلوي من القطعة اكتشفه رسّام عام 1879 وهو موجود في المتحف البريطاني.
أحد المطلعين في مجال التنقيب عن الآثار في الشرق الأوسط، أكد لـ«الأخبار» أنّ القطعة التي ظهرت إلى العلن أخيراً للمرّة الأولى كانت محطّ بحث العديد من الخبراء وعلماء الآثار في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لكنهم لم يعثروا عليها. وانتقل المصدر للحديث عن أنّ أهمية الآثار الآشورية في رسم تاريخ المنطقة القديم، التي شجّعت علماء الآثار الأجانب إلى زيارتها والحفر فيها، ومن ثم نقل الموجودات إلى أوروبا. وأعطى أمثلة عدة في هذا الخصوص، كالتحفة المعروفة باسم «بوّابة عشتار» الموجودة في «متحف برلين» بعدما نُقلت كل قطعة على حدة عبر نهر دجلة إلى البصرة. وكما ألمانيا، استحوذت فرنسا على قطع عدة ووضعتها في متحف «اللوفر» عن طريق قنصلها في الموصل.
وفي سياق تأكيده عدم صحة ما ذكرته «بونهامز» عن تاريخ اكتشاف القطعة الأثرية في شرق سوريا، قال المصدر المذكور إنّ هرمزد رسّام حفر فيها بين عامي 1853 و1854، قبل أن يأتي البريطاني وليام كينيت لوفتوس ويعمل من سنة 1877 إلى 1879. باختصار، المواقع الأثرية الآشورية لم تُمس بعد ذلك على مدى 60 عاماً، إلى أن استأنف فريق «المدرسة البريطانية للآثار» في العراق الحفر في 1949 بقيادة ماكس مالومان، واستمر حتى 1963. وقد سبق أن وُجد في منطقتنا تمثال لآشور ناصربال الثاني في حالة ممتازة، إضافة إلى أسود ضخمة برؤوس بشرية وأجنحة، كما جرى تحديد أماكن قصور لشلمنصر الثالث وآشور ناصربال الثاني، واكتشف هنري لايارد المسلّات السوداء العائدة إلى شلمنصر الثالث. لائحة الآثار الهامة المُكتشفة من تلك الحقبة طويلة جداً، لكن لا بد من الإشارة إلى أنّها بمعظمها نُقلت إلى أوروبا.
هذه الحالة تطرح أسئلة جوهرية، أبرزها: كيف انتقلت القطع المسروقة من الشرق الأوسط إلى دور المزادات العالمية بهذه السهولة، ومن دون التأكد من تفاصيلها (انظر الكادر)؟ عادةً، تجد هذه القطع طريقها إلى المزادات بواسطة اختراع اسم وهمي لأصحابها. وتعمد كاتالوغات الدور العالمية، وبصورة خاصة الفرنسية، إلى ذكر هوية صاحب القطعة المعروضة على أنّه «السيد أكس» أو النبيلة الألمانية السيدة «كان»... . وهذا تحديداً ما قامت به «بونهامز» مع القطعة الآشورية المهمة حين لم تحدد صاحبها على الإطلاق. ورغم إصدار «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (الأونيسكو) قانوناً في 1970 يقضي بتحريم تجارة الآثار المنهوبة واقتنائها، يعمد التجار ودور المزادات العالمية إلى التحايل عليه. من المعروف أنّ لمعظم الحكومات وثائق وصوراً للأعمال الأثرية الموجودة في متاحفها، ما يصعّب عملية بيع عمل مسروق من متحف في مزاد علني. لكن بعض المسروقات من المتاحف تجد طريقها للبيع مباشرة وبأسعار منخفضة إلى هواة اقتناء آثار يعرضونها في منازلهم.
لا شك في أنّ حملة الضغط التي قادتها «مؤسسة سعادة للثقافة» أثّرت بشكل كبير على «بونهامز» ودفعتها إلى اتخاذ قرار مفاجئ بسحب القطعة موضوع الخلاف من المزاد الذي كان مقرراً في 3 نيسان (أبريل) ضمن مجموعة منوّعة من القطع الأخرى. في نهاية الأسبوع الماضي، «بدأت علامات استفهام عدة تُرسم حول القطعة الأثرية الآشورية»، وفق ما أكد مدير المكتب الإعلامي لـ«بونهامز»، جوليان روب، في اتصال مع «الأخبار». روب الذي رفض الإفصاح عن طبيعة الشكوك التي ظهرت، أوضح أنّها عادة ما تكون «مخاوف من أن تكون القطعة مسروقة أو مزيّفة، أو هناك خطأ ما في أوراقها الثبوتية».
لبنان حلقة وصل رئيسية بين سارقي
الآثار السورية وبين السوق العالمية

في هذه الحالات، قال روب إن «بونهامز» تعمد إلى سحب القطع من العرض «إلى حين اتضاح معالم القصة»، مشيراً إلى أنّه في سبيل هذه الغاية، يُستعان بجهات مختلفة على رأسها «جهاز الإنتربول، والشرطة البريطانية، وحكومات الدول التي تعود إليها القطع الأثرية، وخبراء فن وآثار». ولفت روب إلى أنّه يعمل لدى «بونهامز» منذ عشر سنوات، وخلال هذه الفترة «صادفت حالتين مشابهتين، تبيّن أنّهما مسروقتان، قبل أن نعيد واحدة إلى إيطاليا والثانية إلى مصر». وفي سياق الحديث عن القطع الفنية المزوّرة التي ينجح أصحابها في خداع المتاحف ودور المزادات العالمية، سلّط روب الضوء على حادثة شهيرة جداً تتعلّق بعائلة «غراينهالغ». عام 2007، ألقت الشرطة البريطانية القبض على أفراد من عائلة «غراينهالغ»، بعد اعتراف الأم (أوليف) والأب (جورج) والابن (شون) ببيع قطع مزوّرة.
يومها، نقلت صحيفة الـ«تيلغراف» عن أوليف وجورج غرينهالغ اعترافهما أمام المحكمة بأنّهما كان يعلمان أن تمثال الأميرة الفرعونية «أمارنا» مزوّر يوم باعاه بأكثر من 800 ألف دولار أميركي لمجلس مقاطعة مدينة بولتون عام 2003.
اعتراف الثنائي الثمانيني، جاء بعد إقرار ابنهما شون (1961) بالتهمة نفسها في جلسة استماع سابقة أمام المحكمة، ليصدر بحقه حكم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 بالسجن أربع سنوات وثمانية أشهر بعد التأكد من نجاحه على مدى 17 عاماً (1989 ــ 2006) في صنع قطع فنية مزيّفة، وفي خداع «المتحف البريطاني»، و«متحف فان غوخ»، و«مؤسسة هنري مور»، فضلاً عن عدد كبير من المعارض الأميركية.
روب لا يستطيع تحديد المدة التي سيستغرقها التحقيق في صحة الشكوك التي تدور حول القطعة الأثرية الآشورية، لأنّ المسألة مرتبطة بعوامل مختلفة: «التحقيقات قد تنتهي قريباً أو قد تستغرق سنوات».
الحظ شاء أن يُنقذ تمثال الملك الآشوري من البيع في لندن أوّل من أمس، بعد الضغط الكبير الذي مارسته «مؤسسة سعادة للثقافة» إلى جانب ناشطين ومهتمين، لكن ماذا عن غيرها من الجرائم التي ترتكب يومياً بحق تاريخنا وإرثنا على أيدي مجهولين في مختلف المناطق السورية وفي بلدان أخرى؟



يمكنكم متابعة نادين كنعان عبر تويتر | @KanaanNadine




لبنان ترانزيت

نهب آثار الشرق ليس عملية تعود إلى عقود مضت. في القرن العشرين، كان لبنان وسوريا محط اهتمام الفرنسيين، واستقر الوضع في العراق لصالح البريطانيين بعد هزيمة ألمانيا في الحربين العالميتين. لكن هذه العمليات تسارعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، خصوصاً في البلدان التي تتعرّض لخضات سياسية وأمنية. وهذا ما حدث في اليمن مثلاً، إضافة إلى أنّ العراق يُعتبر نموذجاً صارخاً، إذ شهد عمليات نهب منظمة على جميع الأصعدة، وتحديداً بعد الاحتلال الأميركي.
خلال سنوات الحرب السورية، مثّل لبنان ــ ولا يزال ــ حلقة وصل رئيسية بين سارقي الآثار السورية وبين السوق العالمية. بعض جامعي الآثار الذين فضّلوا عدم الكشف عن أسمائهم أكدوا لـ«الأخبار» أنّ لبعض التجار اللبنانيين اليد الطولى في إدخال المسروقات إلى لبنان، والتحضير لنقلها إلى الأسواق الأوروبية والأميركية. وكان لافتاً خلال السنوات الثلاث الماضية انتقال العديد من خبراء الآثار الأجانب والعاملين المختصين في دور المزادات العالمية إلى لبنان، لمعاينة المسروقات وتفحصها قبل نقلها للبيع في الخارج.
لا يستغرب هؤلاء المهتمون «سهولة» النقل في بلد تدخل إليه كميات هائلة من السلاح عبر البحر من دون علم المسؤولين ولا البواخر العسكرية الأجنبية المرابطة على شواطئ البحر المتوسط. هكذا، يصبح إدخال مئات القطع الأثرية السورية المنهوبة إلى لبنان، وخروجها بسهولة، أمراً «طبيعياً». ويرى هؤلاء أنّ التجار اللبنانيين يتفوّقون على الأتراك في نقل وبيع الآثار السورية المنهوبة. ورغم أنّ القسم الأكبر من آثار المتاحف السورية تمت المحافظة عليه باستثناء بعض المتاحف الصغيرة في المناطق النائية، إلا أنّه من المؤكد أنّ المواقع الأثرية المهمة التي جرى الحفر فيها بصورة غير شرعية، وبإشراف خبراء أجانب أتوا عبر الحدود المفتوحة من تركيا، هي المصدر الأساسي للآثار السورية التي تعرض للبيع منذ ثلاث سنوات تقريباً في المزادات العالمية.