حسين بن حمزة

نكاد لا نجد تجربة شعرية شبيهة بتجربة إيتل عدنان في شعرنا الحديث. لا نعرف أصلاً إن كان مجدياً البحث عن موضع ومكانة محدّدين لشاعرة لم تكتب بلغتنا، ولم تكترث لتصنيفاتنا الشعرية والنقدية. لم تنتمِ هذه الشاعرة المتفرِّدة لجيلٍ أو تيارٍ أو حساسية شعرية مشتركة. اختارت الفرنسية في البداية، ولكن من دون أن يُخضعها ذلك لتمزُّقات ملفَّقة وغير مثمرة على صعيد الهوية الشخصية والشعرية. بطريقة ما، خلَّصتها الكتابة بالفرنسية من الماضي غير المرن للجملة العربية. لم تعد محتاجة إلى نبرة ذاتية ومزاجٍ عربي خاص، لكنها ـــــ في الوقت نفسه ـــــ لم تصبح شاعرة فرنكوفونية.
حين انتقلت إلى الكتابة بالإنكليزية، بدا أنها تحررت نهائياً من أثقالٍ عديدة وصار في استطاعتها أن تحلِّق، خفيفة وطازجة، بأجنحة مبتكرة من التجربة والعيش وجريان الزمن وأسئلة الحياة والكون. تحرُّرُ تجربة إيتل عدنان أبعدها عن سجالاتنا الشعرية المحلية. نحسُّ أن إقامتها في الخارج وتنقّلها الدائم بين باريس وسان فرانسيسكو وبيروت منحاها هوية هجينة ومواطَنة كونية. هذا لا يعني أن إيتل عدنان لم تشاركنا مآسينا وآلامنا وأسئلتنا الحارقة. القصد أن المحلي والعربي ذابا في منطق أوسع وأكثر إنسانية.
نتذكر أنها كانت موجودة وبعيدة في آن واحد. صحيح أن اللغة صنعت مسافة إضافية بيننا وبينها، إلّا أننا قرأنا لها قصائد ونصوصاً مترجمة في «مواقف» و«الكرمل» و«ملحق النهار». وعرفنا أن ثمة نصاً ذا مذاقٍ غريبٍ يُكتب خارج أجنداتنا الشعرية الدارجة. مع مرور الوقت، صدرت معظم أعمالها بالعربية، ولكن طريقة إصغائنا إلى أعمالها لم تتغير في الجوهر. صار في إمكاننا أن نكوِّن وجهة نظر صائبة وشاملة عن منجزها، ولكن مع إبقاء هذا المنجز على حدة. الواقع أن خصوصية هذا المنجز متأتية من عوالمه وعناصره الداخلية أيضاً، لا من معاملتنا له فقط. نقرأ صاحبة «تجليات السفر»، فنحس أننا مطالبون بلجْمِ أي مقارنة بينها وبين ما اعتدناه من تجارب عربية أخرى.
منذ البداية، مالت إيتل عدنان إلى كتابة مفتوحة على فضاءات ومناخات متعددة. في الـ 19 من عمرها، أنجزت قصيدة طويلة بعنوان «كتاب البحر»، متخلصةً من الأقفاص الضيقة للبوح الذاتي التقليدي الذي يقع فيه معظم المبتدئين.
بحسب تلك القصيدة المبكرة، كان «البحر أنثى فوق ركبتي الفجر». البداية المتفلتة من تعسُّف الذات منحتها نَفَسَاً شعرياً طويلاً، وقدرةً على إدخال عناصر ومكونات متنافرة إلى قصيدتها. هكذا صار في استطاعتها أن تكتب: «الذكرياتُ أكاليل لا جدوى منها/ لم تبعث أبداً/ ميتاً من القبر»، أو أن تعود إلى مشاغل الذات، ولكن بالنبرة الناضجة والشاسعة نفسها: «أمضيتُ عمري وأنا أصنع لنفسي أقنعةً/ وأنسجُ لنفسي دروعاً من الأسلاك الشائكة/ لكنني كما العقرب/ لسعتُ من أحبُّهم».
ثمة نكهة كونية في شعر إيتل عدنان. كأن الكتابة تمتزج هنا مع تأملات فلسفية وخلاصاتٍ شخصية متحصِّلة من حياةٍ معيشة في أمكنة ومناخاتٍ مختلفة. السفر هنا هو إحدى المنصَّات التي تسمح بكتابة رحبة وغير خاضعة لبنية خيطية بسيطة. العالم المعاصر حاضر بقوة لدى صاحبة «رحلة إلى جبل تملباييس». الروح النثرية لقصيدتها قادرة على تطويع موضوعات وقضايا كبيرة ومباشرة من دون أن يسيء ذلك إلى السويّة الشعرية. لنقرأ: «يتحدثون عن الحرية/ يربّون قططهم طعاماً للكلاب/ ويقتلون الحيتان/ ليطعموا القطط/ يبكون على الصينيين/ لأن الهنود الحمر/ قد انقرضوا هنا».
في المقابل، تحضر بيروت وفلسطين وبغداد: «كنت أستطيع الذهاب إلى المقهى المجاور/ أتأمل البرد وهو ينسلّ إلى الخارج/ بينما أنعم بالدفء، أو حتى بممارسة الحب/ بيد أنّ القنابل كانت تنهمر على بغداد». يُعيدنا المقطعان السابقان إلى فكرة النبرة غير المحكومة بشروط مسبقة، التي تسمح لنا بالعثور على ممتلكات شعرية متنوعة في تجربة إيتل عدنان المفتوحة على تأثيرات مختلفة.
الشاعرة ليست مستقيلة من تراجيديا الكوكب الذي تعيش فيه، ولكنها لا تسمح للأسئلة الكونية بإفساد رهافة شعرها. هكذا، نقرأ صوراً مشعة ومضغوطة في سطرٍ واحد، كأن تقول: «كل امرأةٍ عذراءُ إلى الأبد»، أو «أفضِّل الموجَ على البحر»، وصوراً مصنوعة من مكوناتٍ أكثر تعقيداً: «مثل فتاةٍ تعرّضت للضرب/ كانت أوراق الزيزفونة ترتعش/ وأغصانها تجفلُ كحصان».